المنبر المحلي

مكياج حقوقي لوجه عنصري: حقيقة الناشطات الحوثيات في أروقة الخارج

مكياج حقوقي لوجه عنصري: حقيقة الناشطات الحوثيات في أروقة الخارج
قبل ساعة
- منبر الاخبار/ خاص

بقلم / ناجي محمد القرطحي


لم يكن تسلل الحركة الحوثية إلى أروقة الدبلوماسية الدولية، واختراقها للمنظمات الحقوقية والدوائر السياسية في الخارج، حدثاً عفوياً أو وليد المصادفة التي تلت انقلاب عام 2014، بل كان خطة استراتيجية جرى الترتيب لها في غرف مغلقة وبأدوات ناعمة منذ وقت مبكر؛ حيث دفعت الجماعة ببعض وجوهها تحت لافتات المنح الدراسية والتبادل الثقافي، بهدف بناء شبكة علاقات معقدة مع المؤسسات الحقوقية والإعلامية ومراكز الأبحاث الغربية، وكان الهدف من هذا الاستثمار الخفي هو صناعة "طابور خامس" بملامح مدنية، جاهز للاستدعاء في اللحظة المناسبة ليتحدث باللغة التي تستهوي الغرب، مستخدماً مفردات رنانة مثل السلام، والعدالة، وحقوق المرأة، وحماية الضحايا.


هنا تبرز الفجوة الأخلاقية والازدواجية الفجة للمشروع الحوثي؛ فبينما تحكم البندقية والصرخة الطائفية تفاصيل الحياة اليومية في الداخل اليمني، ويُساق المجتمع بأكمله بقوة السلاح والقمع، ترتدي الجماعة في العواصم الغربية ثوب المظلومية والتباكي الإنساني، إنها المفارقة الصادمة لجماعة تخنق النساء في مناطق سيطرتها، وتفرض عليهن قيود السفر والوصاية، وتلاحق كل صوت نسوي حر، بينما تستخدم في الوقت عينه وجوهاً نسائية في الخارج لتجميل قبحها، وتصدير نفسها كحامٍ للمرأة اليمنية وممثل لتطلعاتها.


هذا التناقض البنيوي ينسحب على سائر أدوات الخطاب الحوثي الموجه للعالم؛ ففي الوقت الذي تُصادر فيه الحريات العامة، وتُغلق المساحات المدنية، وتُنحر مقدرات الدولة في الداخل، يتعالى عويل ناشطاتها في المؤتمرات الدولية دفاعاً عن حقوق الإنسان والديمقراطية، إنه تزييف متعمد للحقائق واجتزاء مخل للمأساة اليمنية؛ إذ يركز هذا الخطاب الخارجي على إدانات انتقائية لآثار الحرب وتداعياتها، مع إسقاط متعمد لجذور الأزمة المتمثلة في الانقلاب على التوافق الوطني، وتجاهل صارخ للجرائم المروعة في السجون الحوثية، وتجنيد الأطفال، والجبايات القسرية، والتفخيخ الطائفي للهوية المجتمعية.


وللأسف، وجد هذا التغلغل الحوثي الممنهج مناخاً ملائماً للنمو نتيجة الترهل والضعف الذي شاب الحضور الدبلوماسي والإعلامي للمعسكر الجمهوري، وتشتت الخطاب الوطني الذي غابت عنه الرواية الموحدة والقوية القادرة على كشف حقيقة هذا المشروع السلالي، وحين يغيب الصوت الجمهوري الصادق، يصبح من الطبيعي أن تتقدم هذه الواجهات المزيفة لتملأ الفراغ وتتحدث باسم شعب لا تمثل في الحقيقة سوى جلاديه.


ومع هذا، فإن تعرية هذه الأقنعة لا تعني أبداً النيل من نضالات المرأة اليمنية أو التشكيك في نزاهة الأصوات النسائية في المهجر؛ فالمرأة اليمنية الحرة كانت وما زالت في طليعة النضال الوطني، وقدمت تضحيات جسيمة ضد الكهنوت والانقلاب، ومن هنا، يغدو لزاماً علينا التمييز الصارم بين المناضلات الحقيقيات اللواتي يدافعن عن كرامة الوطن، وبين الأدوات السياسية والدعائية التي تُستغل لتبييض صفحة ميليشيا عنصرية مسلحة.


إن المعركة الحقيقية اليوم لم تعد محصورة في متارس الجبهات العسكرية فحسب، بل هي معركة رواية، وصورة، وتأثير في ساحات الإعلام، والمنظمات، والجامعات، ومراكز الفكر وصناعة القرار الدولي، والتقاعس عن خوض هذه المعركة يعني ترك الساحة للحوثي ليكتب تاريخ المأساة بمفرده ويقدم نفسه للعالم كضحية، بينما هو أصل الكارثة وجذر المعاناة، إن على كل صوت جمهوري حر أن يستشعر المسؤولية، ويكشف للعالم هذا التزييف، ويؤكد بوضوح أنه لا يمكن لمن صنع الحرب أن يبشر بالسلام، ولا لمن صادر الحقوق أن يرفع شعارها، فالأوطان لا تُستعاد بالواجهات المستعارة، بل بالصوت الصادق والجسور الذي يعبر عن روح الجمهورية وكرامة الشعب اليمني وحقه في الانعتاق من قبضة الكهنوت.