انت.حار الكفاءة: من خطيئة 1968 إلى مأزق اليوم.. لماذا يحتاج الجنوب إلى ثورة مؤسسية؟

قبل ساعة


ضياء خميس مبارك المحورق
بقلم: ضياء خميس مبارك المحورق
ارشيف الكاتب

بقلم: ضياء خميس المحورق

رئيس المنظمة الوطنية للشفافية والإصلاح المالي والإداري

عدن، 9 يوليو 2026م


لا يمكن لبلدٍ أن يبني مستقبلاً مستقراً وهو يكيل بمكيال العقلية التي أورثته الأزمات، كما لا يمكن لنخبة سياسية أن تدّعي السعي نحو بناء دولة وهي تمارس سلوكيات تهدم مداميكها كل يوم. إن جوهر معضلتنا التنموية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية اليوم في الجنوب ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج امتداد لعقلية مأزومة بدأت منذ الاستقلال؛ عقلية الاستقواء بالشعارات، وتغليب "الولاء الضيق" على "الكفاءة الوطنية"، واستبدال منطق القانون بمنطق الغوغائية.


حين نعود بالذاكرة الإدارية والسياسية إلى محطات ما بعد استقلال 1967، وتحديداً في يناير 1968، نجد أن الكارثة الكبرى بدأت بقوانين "العزل السياسي والوظيفي" التي فرّغت وزارات ومؤسسات الجنوب من عقولها وأطبائها وقضاتها لصالح عناصر لا تملك سوى صكوك الولاء الأيديولوجي، تلاها مصادرة الحقوق عبر قانون التأميم وإلغاء المحاكم المدنية لصالح محاكم شعبية تُدار بالانفعال الثوري والتخوين. كانت النتيجة الحتمية هي الانهيار الكلي للمؤسسات وهجرة رأس المال والعقول الوطنية، وعزلة البلد دولياً وإقليمياً.


ولأننا نرى بأم أعيننا محاولات مستميتة لإعادة إنتاج ذات السيناريو الكارثي وبنفس الأدوات؛ فإن ما تشهده الساحة اليوم من "موجات تخوين جنونية ومحاولة الاستفراد والاستقواء والوصاية على الشعب وقضيته" وممنهجة ضد كل الخصوم والمخالفين سياسياً، رغم أن الجميع ينطلق من حرصه على المصلحة الوطنية للجنوب، هو استنساخ حرفي لعقلية "من لم يكن معنا فهو عميل ورجعي".


إن هذه البيئة المشحونة بالتحريض والتعبئة الضيقة لم تنتج ولن تنتج دولة، بل أفرزت حالة من الفوضى والعبث التي بلغت ذروتها في التصرفات غير المسؤولة والاعتداءات المؤسفة على مقار البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية والأممية، والاعتداء على الإعلاميين، بل والشحن والتحريض المتطرف الذي وصل إلى رشق رجال الأمن الجنوبيين بالحجارة ومواجهتهم في الميدان.


هذه المشاهد الفوضوية ليست علامة قوة، بل هي مؤشر خطر على غياب الحكمة والتخبط السياسي. كيف يمكن لمن يعتدي على البعثات الدولية، ويخوّن شركاء الوطن، ويهز هيبة رجال الأمن أن يقدم نفسه كراعي لبناء دولة مؤسسات؟ إن إدارة المشهد بروح الأزمات والشعارات المنفلتة هي انتحار سياسي متجدد، وتدمير لما تبقى من مدنية وحواضر الجنوب وعلاقاته الإستراتيجية مع محيطه الإقليمي الدولي.


الجنوب اليوم لا يحتاج إلى فوضى الشارع ولا إلى صكوك التخوين، بل يحتاج إلى "إعادة الاعتبار للمؤسسة ولرجل الدولة". إن أولى خطوات الإنقاذ تتطلب مرتكزات حاسمة:


- فرض هيبة القانون والسلطات القضائية والنيابات وأجهزة الدولة المختصة بمكافحة الفساد والأجهزة الأمنية: وفصلها تماماً عن الانتماءات الحزبية وتجاذبات المكونات، مع حماية البعثات الدولية والكوادر الإعلامية والأمنية.

- إنهاء لغة التخوين والإقصاء والقبول بالشراكة والتوازن الجغرافي والسياسي العادل بين كافة المحافظات والمكونات، فالمستقبل يُبنى بالتوافق لا بالفرض.

- التكامل التنموي والمؤسسي الرصين ومواءمة تحركاتنا مع الأشقاء في الجوار الإقليمي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، لبناء نموذج جاذب وقابل للحياة.


إننا في المنظمة الوطنية للشفافية والإصلاح المالي والإداري، نؤكد أن تجفيف منابع الفساد والفوضى يبدأ أولاً من وجود رغبة حقيقية للقيادات الجنوبية في مختلف الهيئات في الدولة وفي أعلى مستويات صنع القرار، وكذلك في القيادات السياسية الجنوبية بمختلف أشكالها وجميعها دون استثناء؛ فإن وُجِد لديهم الإحساس بالمسؤولية فعلياً وليس شعارات فقط، مع رغبتهم الحثيثة في الحفاظ على نظافة أسمائهم قبل أن يخرجوا عن المشهد بأسوأ صفحات تاريخ الجنوب، ثم تأتي مأسسة القرار وتمكين الكفاءات وتجريم سلوكيات الإقصاء والبلطجة السياسية.


ولأننا نؤمن بالانتقال العملي، فإن المنظمة ستطلق قريباً ورقة سياسات متكاملة وخارطة طريق مطورة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وسيكون نزولنا وتحركنا الميداني القادم مرتكزاً على مد جسور الشراكة والعمل المشترك مع أولى الشركاء الأساسيين ممثلة بـ الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، وبناء تحالفات وثيقة مع جميع صناع القرار في أعلى مستويات الدولة بصفتهم شركاء في التغيير، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى المواطن الذي نعتبره الشريك الأساسي والهدف الأسمى لكل جهود الإصلاح المؤسسي.


والله ولي الهداية والتوفيق...