إن الدولة لا تقوم إلا على مؤسسات، والمؤسسات لا تقوم إلا على معايير. وحين تغيب المعايير ويغيب القانون، تتحول الإدارة العامة من أمانة وطنية إلى حيازة خاصة، ومن تكليف دستوري إلى استحقاق عائلي أو مناطقي. وهذا هو مربط الفرس في أزمة الثقة التي نعيشها اليوم في عدن وفي عموم الوطن.
لقد نص الدستور والقانون صراحة أن الوظيفة العامة تكليف لخدمة الشعب، وأن المال العام مصان، وأن تولي المناصب قائم على الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص. كما أن الشريعة الغراء جعلت من "تضييع الأمانة" من علامات الخلل، وجعلت "الحكم بال
عدل" هو الأصل في إدارة شؤون الناس. وبناء عليه، فإن أي انحراف عن هذه القواعد لا يعد قصوراً إدارياً فحسب، بل هو إخلال بالعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
إن المتابع للشأن العام في محافظة عدن يلحظ بأسف تحول بعض الإدارات والمرافق الحيوية إلى ما يشبه الملكيات الخاصة. فتصبح القرارات خاضعة للمزاج، ويصبح التوظيف خاضعاً للولاء لا للكفاءة، وتصبح الخدمة سلعة تُمنح وتمنع. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن المواطن يلمس ذلك في مفاصل تمس معيشته اليومية: في ملفات الواجبات التي تمثل وعاء الإيراد السيادي، وفي الأوقاف التي هي مال الله وحق الفقراء، وفي مكاتب التخطيط والشؤون الاجتماعية التي يُفترض أنها بيت الخبرة وبيت الضعفاء، وفي قطاعات البنية التحتية كالمياه والكهرباء، وفي المديريات الخدمية كالشيخ عثمان ودار سعد وخورمكسر، وفي المرافق الصحية والخدمية كالمسالخ.
هذا الواقع لا ينتقص من وجود كفاءات وطنية شريفة تعمل في هذه المرافق وتؤدي واجبها تحت ضغط كبير. ولكن العدل والمهنية يفرضان علينا أن نشخص الداء لنصف الدواء. فاستمرار احتكار المنصب لسنوات، واستمرار إدارة المرفق بمنطق "هذا إرثي" ينتج عنه ثلاث كوارث: إحباط الكفاءات الشابة، وإغلاق باب الاستثمار، وفقدان المواطن للثقة في جدوى الدولة نفسها.
إننا اليوم أمام استحقاق وطني لا يحتمل التأجيل. استحقاق إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة. ودولة تعني قانوناً يُطبق على الجميع، وتعني تقييماً دورياً للأداء، وتعني تدويراً وظيفياً يمنع بؤر الفساد الإداري، وتعني فتح باب المنافسة ليصل الأكفأ لا الأقرب. فالمنصب في الدولة الحديثة ليس غنيمة، بل هو امتحان. وامتحان أمام الله أولاً، وأمام القانون ثانياً، وأمام الناس ثالثاً.
إن عدن التي دفع أهلها أثماناً باهظة من أجل استعادة ال
دولة، تستحق إدارة تُقاس بمؤشرات الأداء لا بالخطابات، وبكمية الخدمة المقدمة لا بطول مدة الجلوس على الكرسي. تستحق إدارة تؤمن أن السيادة للشعب، وأن المال مال عام، وأن "من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولي فيهم أحداً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله".
لذلك فإننا نضع هذا الأمر أمام القيادة السياسية والحكومة والسلطة المحلية كأمانة. أمانة المراجعة، وأمانة التصحيح، وأمانة الاختيار. فالوطن لم يعد يحتمل التجارب، ولم يعد يحتمل المجاملة على حساب المصلحة العليا. الحل ليس في تغيير الوجوه فقط، بل في تغيير العقلية. من عقلية "المرفق ملكي" إلى عقلية "المرفق ملك الشعب".
نسأل الله أن يلهم ولاة الأمر رشدهم، وأن يوفقهم لما فيه صلاح البلاد والعباد، وأن يجعلنا جميعاً ممن يقول الحق ويعمل به.
_أحمد المريسي_
_كاتب وباحث في الشأن العام_
_عدن - 7 يوليو 2026م_