بين الإنصاف والنكاية

قبل ساعة


علي محمد سيقلي
بقلم: علي محمد سيقلي
ارشيف الكاتب

عندما تعجز بعض الأقلام عن إنكار الحقيقة، فإنها تبحث عن أي زاوية صغيرة لتشويهها. وحين يفشل الطعن في حجم الحضور الجماهيري لفعالية السابع من يوليو، ووضوح رسالتها الرافضة للوصاية والاحتلال، يبدأ البحث المحموم عن قصص هامشية من يوميات الشارع، تُضخَّم وتُقدَّم وكأنها الحدث كله.

لم يعد النقاش يدور حول الرسالة السياسية التي حملتها الفعالية، ولا حول الحشود التي حضرت بإرادتها، بل تحوّل إلى ملاحقة تفاصيل تافهة، في محاولة لصناعة انطباع مضلل يعجز عن صناعة حقيقة.

ولا أحد يدّعي أن أي فعالية جماهيرية تخلو من الأخطاء أو الملاحظات. فهذا أمر طبيعي في كل تجمع بشري كبير، والاعتراف به لا ينتقص من النجاح، بل يعكس قدراً من الموضوعية. لكن الإنصاف يقتضي أن تُوزن الأخطاء بميزانها الحقيقي، لا أن تتحول إلى وسيلة لإلغاء نجاح واضح، أو التقليل من رسالة حملها آلاف المشاركين.

المؤسف أن بعض من يرفعون شعار المهنية لم يعودوا ينظرون إلى الصورة الكاملة، بل أصبح همُّهم الوحيد هو النكاية. فإذا نجح حدث بحثوا عن هفوة، وإذا اجتمع الناس فتشوا عن زلة، وإذا ارتفعت الأصوات دفاعاً عن قضية، انشغلوا بما يدور على هامشها.

لقد أصبح الإنصاف عند البعض ضحية للاستقطاب، وغابت الأمانة في نقل الوقائع، وحلّت محلها رغبة دائمة في التقليل والتشويه. وكأن الاعتراف بنجاح أي خطوة لا توافق أهواءهم يُعد هزيمة شخصية.

إن الجنوب اليوم يواجه تحديات أكبر من معارك التشفي وتصفية الحسابات. هناك شعب يعاني، وقضية تنتظر من يتعامل معها بعقل ومسؤولية، لا بمنطق النكاية. ومن المؤسف أن ينصرف البعض عن هذا الوجع الحقيقي، ليتفرغوا لاصطياد الأخطاء الصغيرة وتضخيمها، بينما يتجاهلون ما هو أكبر وأهم.

فالإنصاف ليس موقفاً سياسياً، بل قيمة أخلاقية. ومن يفقد هذه القيمة، لن يرى في أي نجاح إلا ما يوافق هواه، ولن يقرأ أي مشهد إلا بعين الخصومة.

ويبقى السؤال: هل أصبح هدف البعض خدمة الحقيقة... أم مجرد معاداة كل ما لا ينسجم مع مواقفهم؟

والله المستعان.