كيف خانت الأحزاب الشيوعية جوهر الماركسية؟

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

الأحزاب الشيوعية، كلما تعرضت لأزمة أو خسرت نفوذها، أن تفسر ذلك بعوامل خارجية: مؤامرات الإمبريالية، وهيمنة الرأسمالية، والحرب الباردة، والإعلام الغربي، وتدخل القوى الكبرى. ولا شك أن هذه العوامل أسهمت في إضعاف كثير من التجارب اليسارية، فالصراع الدولي لم يكن عادلا، وكانت القوى الرأسمالية تنظر إلى الشيوعية بوصفها خصما استراتيجيا وتسعى إلى احتوائها أو إضعافها. لكن تحويل هذه العوامل إلى التفسير الوحيد للفشل يكشف أزمة أعمق، هي عجز كثير من الأحزاب الشيوعية عن ممارسة النقد الذي قامت عليه الماركسية.


قامت الماركسية على نقد المجتمع الرأسمالي، وعلاقات الإنتاج، والسلطة الاقتصادية، والأيديولوجيا السائدة. لكن السؤال الذي ظل مؤجلا هو: من ينقد الحزب نفسه؟ ومن يراجع أدواته عندما تتغير الظروف؟ وكيف يتحول حزب يرفع شعار التغيير المستمر إلى مؤسسة ترفض أي تغيير داخلي؟ الأحزاب لا تنهار لأن خصومها أقوياء فقط، بل لأنها تفقد قدرتها على إنتاج أفكار جديدة. فالخصوم كانوا موجودين دائما، لكن الأحزاب التي تتعلم من أخطائها تستطيع إعادة بناء نفسها، بينما تتحول الأحزاب التي تقدس تاريخها إلى مؤسسات تدافع عن ماضيها أكثر مما تستعد للمستقبل.ومن أبرز أزمات كثير من الأحزاب الشيوعية أنها استبدلت النقد بالإيمان، والمنهج بالعقيدة، والفكر بالتنظيم. فبدلا من أن تبقى الماركسية أداة لتحليل الواقع، أصبحت في بعض التجارب معيارا للحكم عليه. وإذا تعارض الواقع مع النظرية، جرى اتهام الواقع بدلا من مراجعة النظرية.وهذه ليست مشكلة خاصة بالشيوعية، بل تصيب كل أيديولوجيا تتحول إلى منظومة مغلقة. فالأيديولوجيا تبدأ محاولة لفهم العالم، لكنها قد تنتهي إلى حجب الواقع عن أصحابها ،كان ماركس مفكرا نقديا قبل أن يكون صاحب نظرية. لم يدع إلى حفظ أفكاره، بل إلى استخدام العقل في تحليل الواقع المتغير. لكن كثيرا من الأحزاب تعاملت مع كتاباته باعتبارها نصوصا نهائية، لا أدوات قابلة للتطوير، ففقدت الماركسية في بعض التجارب أهم خصائصها، وهي روح النقد.


وليس من المصادفة أن أكثر الأحزاب الشيوعية جمودا كانت أيضا أكثرها رفضا للاختلاف الداخلي. فكل رأي جديد عده انحرافا، وكل مراجعة اعتبرها تراجعا، وكل نقد وصفه بالخيانة. ومع مرور الوقت، غادرت العقول القادرة على التطوير، وبقيت الأصوات التي تكرر ما تقوله القيادة.عند هذه المرحلة يتوقف الحزب عن إنتاج السياسة، ويبدأ في إنتاج الطاعة.الأزمة الحقيقية لا تبدأ عندما يخسر الحزب الانتخابات أو تتراجع شعبيته، بل عندما يعجز عن طرح سؤال بسيط: ماذا لو كنا مخطئين؟هذا السؤال يميز الحزب الحي عن الحزب الجامد. فالحزب الحي يراجع نفسه حتى في لحظات النجاح، أما الحزب الذي يرفض المراجعة فلا يكتشف أخطاءه إلا بعد أن يتجاوزه الواقع. التجربة الصينية في هذا الواقع، ليس لأنها تمثل انتصارا نهائيا للشيوعية، بل لأنها تظهر أن البقاء لم يتحقق بالتمسك الحرفي بالنظرية، وإنما بإعادة تفسيرها وفق المتغيرات. فالصين لم تتمسك بسياسات قديمة لأنها قديمة، بل غيرتها عندما أثبت الواقع محدوديتها.و سؤال مهم: هل يكون الوفاء للفكرة بتكرارها، أم بتطويرها؟ فالأفكار التي ترفض التطوير تتحول إلى عبء، والتاريخ لا يكافئ الأحزاب الأكثر حفظا للنصوص، بل الأكثر قدرة على فهم المجتمع الذي تعمل فيه. فالمجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا تتغير باستمرار، بينما الحزب الذي يرفض التغيير بحجة حماية المبادئ يكتشف متأخرا أن أدواته لم تعد تفسر الواقع.لذلك لم يعد السؤال: لماذا سقطت أحزاب شيوعية كثيرة؟ بل: لماذا توقفت عن ممارسة النقد الذي قامت عليه؟ فالفكرة التي لا تنقد نفسها تتحول إلى سلطة، والسلطة التي ترفض النقد تبدأ في إنتاج أسباب تراجعها. والأحزاب الشيوعية خسارة السلطة، بل فقدان القدرة على التفكير خارج بنيتها التنظيمية. فالحزب الذي تأسس لتغيير المجتمع تحول في بعض التجارب إلى مؤسسة هدفها الأول الحفاظ على نفسها. وعندما يصبح بقاء الحزب أهم من الفكرة، تتحول الأيديولوجيا إلى جهاز إداري، لا إلى مشروع سياسي. البيروقراطية ليست مجرد مشكلة تنظيمية، بل طريقة في التفكير. تبدأ عندما يتوقف التنظيم عن طرح الأسئلة، ويكتفي بإصدار التعليمات، ويتحول النقاش إلى إجراء شكلي، والاختلاف إلى مخالفة، والطاعة إلى معيار للولاء. عندها يفقد الحزب قدرته على التجدد.


دعت الأحزاب الشيوعية إلى تحرير الإنسان من الاستغلال، لكنها في بعض التجارب لم تنجح في تحرير أعضائها من سلطة التنظيم. فأصبح الهيكل الحزبي أهم من المجتمع، والالتزام بالخط السياسي أهم من البحث عن الحقيقة. ومع الوقت، صار المطلوب من العضو الالتزام لا التفكير، والدفاع لا النقد.فالحزب الذي أراد إنهاء هيمنة طبقة على المجتمع، أنتج أحيانا نخبة حزبية احتكرت القرار داخل التنظيم. تغيرت الأسماء، لكن أساليب احتكار السلطة بقيت.كتب أنطونيو غرامشي عن المثقف العضوي المرتبط بالمجتمع، لكن كثيرا من الأحزاب الشيوعية أنتجت مثقفا حزبيا وظيفته الدفاع عن القيادة لا مساءلتها، ففقد الحزب أحد أهم مصادر حيويته.ولا تقتصر هذه الظاهرة على الأحزاب الشيوعية، لكنها كانت أكثر وضوحا فيها بسبب المركزية الصارمة. فعندما تتحول المركزية إلى وسيلة لإلغاء التعدد، يصبح الحزب أقل قدرة على استيعاب الأفكار الجديدة وأكثر ميلا إلى إعادة إنتاج نفسه. أي تنظيم يعتقد أن وحدته تتحقق بإسكات الأصوات المختلفة يخطئ في فهم السياسة. فالاختلاف ليس تهديدا، بل شرطا لتطور الأفكار.ولهذا دخلت أحزاب شيوعية كثيرة القرن الحادي والعشرين بخطاب صيغ في القرن العشرين، بينما كان العالم يعيش الثورة الرقمية والاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي. لم تكن المشكلة في التراث الفكري، بل في العجز عن إعادة قراءته بما يناسب الواقع الجديد.وقدمت الصين نموذجا مختلفا في جانب مهم. فهي لم تتخل عن قيادة الحزب، لكنها غيرت سياساتها الاقتصادية، وانتقلت إلى اقتصاد أكثر انفتاحا، واستثمرت في الصناعة والابتكار والتعليم والبنية التحتية. ولا يعني ذلك أن التجربة الصينية خالية من المشكلات، لكنه يدل على استعداد أكبر لتعديل السياسات عندما يتغير الواقع.وربما لم تنجح الصين لأنها كانت الأكثر وفاء للنظرية، بل لأنها كانت أقل تمسكا بقراءتها الجامدة. فقد تعاملت مع الماركسية باعتبارها إطارا عاما، لا وصفة جاهزة لكل مرحلة.بينما بقيت أحزاب أخرى منشغلة بما قاله ماركس، كانت الصين تسأل: ماذا يحتاج المجتمع اليوم؟ وهذا هو الفرق بين إدارة الواقع وتكرار النصوص.


إن الحزب الذي يعيش داخل كتبه أكثر مما يعيش داخل مجتمعه يفقد تدريجيا القدرة على فهم الناس، ويخاطب مجتمعا تغير بلغته القديمة وحلوله القديمة.ولهذا فإن سقوط الأحزاب لا يبدأ يوم تخسر السلطة، بل يوم تتوقف عن الإصغاء للمجتمع، وتصبح أكثر اهتماما بالدفاع عن صورتها من فهم الواقع.وإذا كانت الأحزاب الشيوعية قد بررت إخفاقاتها بضغوط الرأسمالية العالمية، فإن التجربة الصينية تضع هذا التفسير موضع مراجعة. فقد واجهت الصين الضغوط نفسها، لكنها لم تكتف بإدانة خصومها، بل أعادت النظر في سياساتها.السؤال إذن ليس: هل نجحت الصين لأنها كانت أكثر التزاما بالشيوعية؟ بل: هل نجحت لأنها كانت أكثر استعدادا لتعديل تطبيقاتها؟ الصين لم تتخل عن قيادة الحزب، لكنها أعادت تعريف شرعيته. فلم تعد الشرعية قائمة على الخطاب الثوري وحده، بل على الأداء الاقتصادي، وتقليص الفقر، وتطوير التعليم، وبناء البنية التحتية، وتعزيز الصناعة والتكنولوجيا.وهذا ما تجاهلته أحزاب شيوعية كثيرة. فشرعية أي حزب لا تقاس بالشعارات، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين.


وفي العالم العربي وإفريقيا بقيت بعض الأحزاب أسيرة خطاب منتصف القرن العشرين، بينما تغير الاقتصاد العالمي، وأصبحت المعرفة والتكنولوجيا والبيانات من أهم مصادر القوة. وكان هذا الانفصال عن الواقع أحد أسباب تراجعها.لكن من الخطأ أيضا اعتبار ذلك دليلا على انتصار الرأسمالية أو فشل الشيوعية بصورة مطلقة. فالتجارب الحديثة تبين أن النجاح يرتبط بكفاءة المؤسسات، وجودة الإدارة، والاستثمار في الإنسان، والقدرة على التعلم، أكثر من ارتباطه بالشعارات الأيديولوجية.وفي كثير من الحالات لم تستطع الأحزاب الشيوعية الانتقال من المعارضة إلى إدارة الدولة. فقد أتقنت تشخيص الأزمات، لكنها لم تقدم سياسات عملية قابلة للتنفيذ. والنقد وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه برنامج واقعي للحكم.كما وقعت بعض هذه الأحزاب في خطأ آخر، حين اعتقدت أن صحة النظرية تكفي لضمان النجاح السياسي. لكن السياسة لا تختبر صحة الأفكار، بل قدرتها على التعامل مع واقع متغير.وتكمن أزمة التفكير الأيديولوجي. فهو لا يسأل إن كانت أدواته ما زالت صالحة، بل يبحث عن وسائل لإثبات أنها كانت صحيحة منذ البداية. وهذا الفرق هو ما يفصل بين التطوير والجمود.


إن التجربة الصينية، بصرف النظر عن الموقف منها، تؤكد أن الأحزاب التي تقدم مصلحة المجتمع على صورتها الأيديولوجية تكون أكثر قدرة على تعديل سياساتها، بينما تؤجل الأحزاب التي تدافع عن صورتها المراجعة حتى تصبح كلفة الخطأ أكبر من قدرتها على إصلاحه.وهذه ليست مشكلة الأحزاب الشيوعية وحدها، بل يمكن أن تقع فيها الأحزاب القومية والليبرالية والدينية عندما تعتبر نفسها فوق النقد. عندها يصبح الحزب غاية، والدولة وسيلة، والمجتمع مجرد جمهور مطلوب منه التأييد.إن الدولة الحديثة لا تحتاج إلى أحزاب تدعي امتلاك جميع الإجابات، بل إلى أحزاب تملك الشجاعة للاعتراف بأن بعض إجاباتها لم تعد مناسبة. فالمراجعة ليست هزيمة، بل شرط للاستمرار، أما الجمود فهو بداية التراجع. أهم ما تكشفه المقارنة بين الصين وتجارب أخرى هو أن الدول لا تبنى بالولاء الأعمى للنظريات، بل بالقدرة على فهم الواقع والاستجابة له. فالواقع يتغير أسرع من الكتب، والمجتمع يتطور أسرع من الشعارات، والسياسة التي تعجز عن مواكبة هذا التغير تتحول إلى جزء من الأزمة بدلا من أن تكون جزءا من الحل.


#زكريا_نمر