بقاء 60% فقط من المرافق الصحية في اليمن قيد العمل وبشكل ضعيف ليس مجرد أزمة تمويل، بل هو فشل هيكلي للنموذج الحالي لتصميم وإدارة المشاريع التنموية وخصوصا الصحية...
الاعتماد المطلق على الدعم الخارجي المباشر والمؤقت للمصاريف التشغيلية (كالرواتب والوقود...الخ) خلق حلقة مفرغة فبمجرد أن يتوقف المانح، تنهار الخدمة وتتضاعف الأزمة.
الاستدامة في العمل التنموي ليست رفاهية، بل هي الفارق بين الحياة والموت في اليمن , و لمواجهة هذا الانهيار، يجب الانتقال فوراً من "الإغاثة المؤقتة" إلى "هندسة وتصميم النماذج المستدامة" عبر حلول ذكية وقابلة للتطبيق وبعيدا عن التقليد الذي سيؤدي الى انهيار المنظومة الصحية بالكامل!!
اننا بحاجة الى ادماج "الابتكار" وتشجيع "النماذج" التنموية المرنة لضمان استدامة مشاريعنا وبرامجنا على المدى الطويل وتقديم خدمة جيدة للمواطنين بأقل "تكلفة" عن طريق زيادة "القيمة" لهذه المشاريع والبرامج.
بعصف ذهني بسيط وأيضا الاستعانة ببعض التجارب الدولية الناجحة حاولت ألخص أهم "النماذج" المبتكرة في تصميم وإدارة المشاريع "الصحية" التي ممكن تطبيقها في اليمن :
1- نموذج "الشراكة الخضراء" مقابل العلاج المجاني
بدلاً من شراء وقود للمستشفيات الحكومية ينفد في أشهر، يركب المانح منظومة طاقة شمسية ومحطة تحلية للمستشفى الخاص لمرة واحدة فقط, وفي المقابل، يلتزم المستشفى قانونياً بفتح قسم مجاني تماماً لذوي الدخل المحدود (15 سرير مثلا) ، ليمول نفسه ذاتياً من وفر الفواتير, وهذه الشراكة يطلق عليها (B2D) .
2- نموذج مراكز "إنقاذ الحياة"
بدلاً من تشتيت الملايين في بناء مستشفيات ريفية تظل خاوية بلا أطباء وبلا مصاريف تشغيلية، ننشئ عيادات مصغرة للإنقاذ والطوارئ التوليدية في القرى وتكون مهمتها فقط التدخل السريع لإنقاذ الحياة للمرضى وبتكاليف تشغيلية منخفضة جدا, حيث ترتبط هذه العيادات بشبكة إحالة مباشرة مع مستشفى مركزي كبير في المدينة للحالات الحرجة، مما يضمن التغطية بأقل كلفة (أي يصير لدينا مراكز صحية صغيرة جدا في المناطق الريفية مرتبطة بمستشفى مركزي كبير في مراكز المديريات او المحافظات ويتم التركيز عليها بشكل كبير وتطويرها بدلا من التشتت في دعم الالاف المستشفيات والمستوصفات) .
3- نموذج "التطبيب عن بُعد (Telemedicine)
لحل غياب الأطباء الأخصائيين في الأرياف، يتم تزويد عيادات القرى بشاشات وأنظمة اتصال رقمية منخفضة التكلفة عن طريق اتصال بإنترنت فضائي (ستارلنك), يقوم الممرض المحلي بربط المريض بالاستشاريين في المدن الكبرى عبر الإنترنت، مما يشخص الحالات فوراً ويوفر 80% من تكاليف السفر.
4- نموذج "الصناديق المجتمعية"
لكي لا تتوقف الخدمة بانتهاء دعم المنظمات، يتم تأسيس صناديق تكافل صحي صغيرة تديرها لجان مجتمعية من أهالي القرية نفسها و يساهم الجميع باشتراكات بسيطة تضمن استمرار دفع رواتب الطاقم الصحي، صيانة الأجهزة، وشراء أدوية الطوارئ ذاتياً.
5- نموذج "شرائح المرضى والتمويل المتقاطع"
يتم استحداث أقسام خاصة وأجنحة (VIP) داخل المستشفيات الحكومية الكبرى, حيث تقدم خدمات طبية وفندقية راقية لشرائح المجتمع القادرة وبأسعار استثمارية، مع توجيه الأرباح والعوائد المحققة من هذه الأقسام بالكامل لتمويل وتغطية نفقات علاج أقسام شرائح ذوي الدخل المحدود داخل المستشفى نفسها، مما يخلق توازناً ذاتياً يضمن ديمومة الخدمة المجانية دون الحاجة لانتظار دعم خارجي.
6- نموذج "المستشفيات الاجتماعية غير الربحية"
تعمل هذه المستشفيات بآلية "تغطية التكاليف فقط" دون تحقيق أي أرباح شخصية للملاك, وتديرها مؤسسات خيرية , و يتم توجيه كل ريال يدخل المنشأة لرفع جودة الخدمة، صيانة الأجهزة، وتغطية رواتب الكوادر، مما يجعل الأسعار في متناول الجميع
هذه ربما أهم 6 نماذج لتصميم وادارة المشاريع "الصحية" في مقابل النموذج الحالي التقليدي الذي يعتمد على تشييد المستشفيات والمراكز الصحية دون النظر الى تبعات "استدامتها" لاحقا مما يعرضها للتوقف أو التعثر في ظل تفاقم الازمة الإنسانية في اليمن !!!
وفق الله الجميع للخير ...
ملاحظة : نموذج التطبيب عن بعد هذا مشروع ينفذه الصندوق الاجتماعي حاليا وسيتم تسليط الضوء عليه في منشور قادم ..
@إشارة
#محمد_البان