ما شهدناه اليوم من مظاهرة تخللتها اعمال فوضى واطلاق للرصاص وإقلاق للسكينة العامة والاعتداء على أحد الاشخاص يدفع إلى طرح سؤال مشروع: ما الذي تحقق من كل ذلك؟ وهل ساهمت هذه الممارسات في تغيير المعادلة ام انها زادت من حالة الاحتقان وعمقت الانقسام واثارت ردود فعل سلبية؟
لا حد يختلف على حق المواطنين في التعبير السلمي عن مطالبهم فهذا حق مشروع تكفله المبادى الديمقراطية لكن عندما تتحول الفعالية الى فوضى او تتخللها اعمال عنف او تجاوزات تمس امن الناس وسلامتهم فإن الرسالة تفقد جزءا كبيرا من مشروعيتها ويصبح الاهتمام منصبا على ما رافقها من احداث لا على القضية التي خرج الناس من اجلها.
لقد اثبتت التجارب ان ما يسمى بـالمليونيات لم يعد يحمل التاثير الذي كان له في مراحل سابقة بل ان معظمها لا يعكس حجمه الحقيقي فضلا عن ان الظروف السياسية والاجتماعية تغيرت واصبحت ادوات التاثير اكثر تنوعا وفاعلية.
ان المرحلة الراهنة تتطلب عملا سياسيا ومجتمعيا مسؤولا يقوم على التنظيم والحوار وصناعة المبادرات والتواصل مع الراي العام واستخدام الاعلام بفاعلية لنقل معاناة المواطنين ومطالبهم المشروعة فالمجتمعات لا تتقدم بالصدام وانما ببناء الرائي العام والحوار وتقديم الحلول والضغط السلمي المنظم.
اليوم يحتاج المواطن الى من يكون صوته الحقيقي وينقل مظلوميته ومعاناته ويطالب بتحسين الخدمات المتدهورة والكهرباء والمياه والتعليم والصحة والأمن والاقتصاد بعيدا عن المزايدات والشعارات التي لم تعد تقنع احدا.
ان التاثير الحقيقي لا يقاس بعدد المشاركين في مظاهرة بل بقدرة الفاعلين على تحقيق نتائج ملموسة وبناء راي عام واع وصياغة مبادرات قابلة للتنفيذ وممارسة ضغط مدني مسؤول يحافظ على الأمن والاستقرار ويخدم الناس بدلا من ان يزيد معاناتهم.
لقد ان الاوان للانتقال من ثقافة الحشود الى ثقافة الإنجاز ومن ردود الأفعال الى صناعة المبادرات ومن الفوضى الى العمل المؤسسي المنظم.
فالاوطان تبنى بالعقول والحكمة لا بالصدام والمواطن ينتظر من النخب والقوى السياسية والمجتمعية حلولا واقعية تعيد إليه الامل وتحسن واقعه وتحفظ امنه وكرامته.
وكفى ما نالته عدن من صراعات وفوضى وصدامات انهكتها على مدى سنوات ودفع ثمنها ابناؤها من امنهم واستقرارهم ومعيشتهم ومستقبل اجيالهم.
لقد حان الوقت لان نطوي صفحات الخلاف التي لم تحصد منها المدينة سوى المزيد من الازمات وان نوجه كل الجهود نحو البناء والاصلاح وخدمة الإنسان فعدن اليوم لا تحتاج الى ساحات جديدة للصراع بل تحتاج إلى عقول تتوافق وسواعد تعمل واصوات تدافع عن حقوق الناس بالحكمة والمسؤولية فالتاريخ لن يخلد من اشعل الأزمات بل سيذكر من اسهم في استقرار المدينة وصان كرامة اهلها ووضع مصلحة عدن فوق كل اعتبار.