الموارد البشرية.. خط الدفاع الأول الذي يُترك بلا غطاء

قبل ساعة


أحمد المريسي
بقلم: أحمد المريسي
ارشيف الكاتب


إن الإدارة العامة للموارد البشرية في أي مرفق حكومي ليس

ت وحدة تنفيذية فحسب، بل هي أداة الدولة في ترسيخ الانضباط الوظيفي وحماية المال العام وضمان تطبيق قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية، بما يكفل مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الوظيفية.


ولكن ما نشهده اليوم هو تفكيك ممنهج لهذا الدور المحوري، يبدأ من عدم تمكين مدراء العموم للموارد البشرية الممثلين لوزارة الخدمة المدنية والتأمينات في الوزارات والهيئات والمؤسسات من م

مارسة صلاحياتهم القانونية والإدارية، وينتهي بتركهم في مواجهة ضغوط مباشرة تهدف إلى فرض إجراءات مخالفة لنصوص القانون واللوائح المنظمة. إجراءات تتمثل في إحداث وظيفي يتم خارج الأطر القانونية النافذة، وترقيات استثنائية لا تستند إلى أسس الاستحقاق، وصرفيات مالية غير مستحقة، وتزوير في سجلات الحضور والانصراف، وهو ما يشكل في مجمله إخلالاً جسيماً بأحكام القانون المالي وقانون الخدمة المدنية ويفتح الباب أمام شبهة إهدار للمال العام.


ويزداد هذا الخلل اتساعاً في ظل غياب الدور المساند لقطاع الرقابة والتفتيش في الوزارة، وضعف آليات التنسيق والتكامل بينه وبين إدارات الموارد البشرية في الميدان. وهذا الفراغ الإداري والرقابي يمثل إخلالاً بواجب الوزارة الأم في حماية أجهزتها الميدانية وتمكينها من أداء مهامها، ويحول مدير عام الموارد البشرية من ممثل للدولة ومنفذ للقانون إلى موظف منفرد يوضع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع لتنفيذ مخالفة قانونية يتحمل مسؤ

وليتها الجزائية والإدارية، أو الرفض الذي يقابله في كثير من الأحيان تنكيل إداري ونقل تعسفي وإقصاء وظيفي.


إن هذا الواقع يضرب مباشرة في صلب مبدأ دولة المؤسسات، ويقوض هيبة النظام الوظيفي، ويهدر الجهود المبذولة في بناء جهاز إداري منضبط وفعال، ويجعل المال العام عرضة للتجاوزات تحت ذرائع لا تستند إلى أي سند قانوني أو لائحي.


وعليه، فإننا نضع هذا الأمر أمام معالي وزير الخدمة المدنية والتأمينات، باعتباره مسؤولية دستورية وقانونية وإدارية مباشرة، تستوجب تدخلاً عاجلاً وحاسماً يتمثل في تمكين مدراء العموم للموارد البشرية ومنحهم الحماية الإدارية والقانونية اللازمة لأداء مهامهم بمهنية وحياد، وتنشيط وتفعيل دور قطاع الرقابة والتفتيش في الوزارة ليشكل ذراعاً رقابياً ميدانياً متكاملاً مع إدارات الموارد البشرية، وإلزام كافة الوزارات والهيئات والمؤسسات بعدم إقرار أي تعيين أو ترقية أو صرف مالي إلا بعد مصادقة إدارة الموارد البشرية المختصة واستيفاء كافة الشروط القانونية واللائحية.


إن تقوية إدارات الموارد البشرية ودعمها وتمكينها ليست مسألة إدارية ترفية، بل هي تأسيس لدعائم الحكم الرشيد، والضمانة الحقيقية لوقف نزيف المال العام، وإعادة الاعتبار للانضباط الوظيفي، وصون حقوق الموظفين وواجباتهم.


فمن يحمي منفذ القانون، يحمي القانون نفسه، ومن يحمي القانون يحمي الدولة.


_أحمد المريسي_ مدير عام سابق للموارد البشرية

_عدن - 7 يوليو 2026م_