حـين يُخاطَب وزيرٌ للتربية والتعليم سبق له أن عاش تفاصيل الجامعة، وشارك في صناعة القرار الأكاديمي، فإن الخطاب لا يكون مجرد مناشدة، بل يكون حديثًا إلى رجلٍ يدرك أن مستقبل الأوطان يبدأ من قاعات الدراسة، وأن نجاح المدرسة لا ينفصل عن جودة الجامعة، وأن التخطيط للتعليم لا يُقاس بعامٍ دراسي، وإنما بعقودٍ تُبنى فيها الأجيال.
ومـن هذا المنطلق، نضع أمامكم قضيةً تستحق الوقوف عندها بجدية، بحكم خبرتكم الأكاديمية، ومعرفتكم بمنظومة التعليم العالي واحتياجات التعليم العام، وهي التراجع الملحوظ في إقبال الطلاب على كلية العلوم، ولا سيما أقسام الفيزياء والكيمياء والرياضي
ات، حتى باتت بعض هذه الأقسام مهددة بتناقص أعداد الملتحقين بها، وربما الوصول إلى مرحلة يصعب معها استمرارها بالكفاءة المطلوبة.
ولا يخـفى على أحـد أن السبب الرئيس لهذا العزوف ليس ضعف أهمية هذه التخصصات، بل غياب الحـافز الوظيـفي بعد التخـرج.
رسنا من نقصٍ واضح في معلمي الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وهي مواد تمثل الركيزة الأساسية لبناء العقول العلمية وإعداد الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات الهندسية والطبية والتقنية.
وهـنا تتجـلى المفارقة المؤلمة؛ أقفـ الطالـب اليوم ينظر إلى مستقبله قبل أن يختار تخصصه، ويوازن بين سنوات الدراسة وفرص العمل، وعندما يدرك أن التوظيف يكاد يكون معدومًا، فإنه يتجه تلقائيًا إلى تخصصات يعتقد أنها تمنحه فرصة أفضل للاستقرار وبناء مستقبله.
وفـي المـقابل، تعاني مد
اسام جامعية تعاني عزوفًا متزايدًا، ومدارس تعاني نقصًا في المعلمين، بينما يكمن الحل في رسم سياسة تربوية متكاملة تربط بين مخرجات الجامعات واحتياجات وزارة التربية والتعليم.
ويُـضاف إلى ذلك أن جامـعة عـدن تمضي اليوم بخطواتٍ واضحة نحو تطوير برامجها الأكاديمية، من خلال مواءمة مخرجاتها التعليمية مع متطلبات الاعتماد الأكاديمي ومعايير الجودة، بما يعزز قدرة كلياتها على أداء رسالتها العلمية وفق أحدث الرؤى الأكاديمية؛ وإن المحافظة على أقسام الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وتشجيع الطلاب على الالتحاق بها، يمثلان امتدادًا طبيعيًا لهذا المشروع الأكاديمي الرائد؛ إذ لا يمكن لجهود التطوير والاعتماد أن تحقق أهدافها كاملة إذا واجهت هذه التخصصات عزوفًا متزايدًا، أو بقيت مخرجاتها العلمية تصطدم بغياب الفرص الوظيفية القادرة على استيعابها والاستفادة من كفاءاتها.
ولـذلك، فـإن من المناسب أن تتبنى الوزارة خلال المرحلة المقبلة سياسة واضحة تمنح خريجي هذه التخصصات أولوية في التعيين، أو ترفع نسبة استيعابهم ضمن خطط التوظيف المستقبلية، مع إعلان ذلك بصورة رسمية وشفافة، حتى تصل الرسالة إلى طلاب الثانوية العامة وأولياء أمورهم بأن الدولة تدرك أهمية هذه التخصصات، وتعمل على دعمها وحماية مستقبل منتسبيها.
إن مـثل هذه الخـطوة لن تسهم فقط في سد العجز القائم داخل المدارس، بل ستعيد الثقة إلى هذه الأقسام العلمية، وتشجع الطلاب على الالتحاق بها، وتحافظ على استمراريتها، وتضمن رفد الوطن بكفاءات علمية هو في أمسّ الحاجة إليها، لا سيما في ظل التحولات العلمية والتقنية المتسارعة التي يشهدها العالم.
ونحـن على ثقة بأنكم، بما تمتلكونه من خبرة أكاديمية وإدارية، وبما عرف عنكم من إدراك لأهمية التخطيط العلمي، تدركون أن الاستثمار
الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان، وأن حماية التخصصات العلمية الأساسية ليست مسؤولية الجامعات وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتصدرها وزارة التربية والتعليم، باعتبارها الجهة المعنية بصناعة مستقبل الأجيال، وتحقيق التكامل بين التعليم العالي والتعليم العام.
أخـي العـزيز؛ إن الأوطـان التي تُحسن التخطيط لتعليمها لا تخشى المستقبل، لأنها تصنعه، وإن دعـم أقـسام الفيزياء والكيمياء والرياضيات اليوم، وفتح آفاق التوظيف أمام خريجيها، ليس استجابةً لمطلب فئة من الطلاب فحسب، بل هو قرار استراتيجي يحمي التعليم العام، ويصون الجامعة، ويؤسس لنهضة علمية تحتاجها اليمن أكثر من أي وقت مضى.
ولـعل هذه القضية تجد لديكم ما تستحقه من اهتمام، وأنتم الأعلم بأن الاستثمار في المعلم يبدأ قبل تعيينه، يوم يختار تخصصه وهو مطمئن إلى أن وطنه سيحتضن علمه، ويمنحه الفرصة ليؤدي رسالته في بناء الأجيال.
لـقد كان لنا نقاش حول هذا الأمر قبل سنوات، وانتهينا إلى قناعة مشتركة مفادها أن معالجة هذه القضية الخطيرة لا يمكن أن تبدأ من الأطراف أو من حلول جزئية، وإنما من الوزارة نفسها، عبر تبنيها لهذا الملف بوصفه أولوية وطنية، ووضع رؤية مؤسسية واضحة تترافق مع إرادة جادة للتنفيذ والمتابعة.
فـ حيـن تتبنى الجهة المختصة الإصلاح، يصبح الطريق إلى التغيير أكثر وضوحًا، وتتحول الجهود الفردية إلى مشروع وطني قادر على إحداث الأثر المنشود.
د. هـاني بن محمد القاسمي
مستشار رئيس جامعة عدن للشؤون الأكاديمية
عـدن: 7. يوليو. 2026م
.