صفقة بلا توقيع… وعبودية بلا صاحب

قبل ساعتين


علي محمد سيقلي
بقلم: علي محمد سيقلي
ارشيف الكاتب

ليست كل خسارة تبدأ بحرب؛ فبعض الهزائم تبدأ بصفقة. والصفقات الأخطر ليست تلك التي تُباع فيها الأراضي أو الثروات، بل تلك التي يُباع فيها القرار والإرادة، حتى يغدو الإنسان، أو الجماعة، أو حتى الوطن، مجرد أداة في سوق المصالح.


ومن يختَر لنفسه التبعية، فعليه أولًا أن يعرف إلى من يتجه. فمن غير المنطقي أن يسلّم الإنسان زمام أمره لمن لا يعرف غايته، أو يضع مستقبله في يد من لا يدرك كيف يفكر، ولا ماذا يريد منه بعد أن تنتهي الحاجة إليه.


في السياسة كما في الحياة، لا أحد يمنح شيئًا بلا مقابل. وكل يد تمتد بالعطاء تخفي في الغالب يدًا أخرى تنتظر الثمن. أما من يظن أن الآخرين يمنحونه القوة مجانًا، فإنه غالبًا لا يكتشف الحقيقة إلا بعد أن يصبح جزءًا من فاتورة السداد.


المأساة ليست في التحالفات، فذلك مما تفرضه المصالح والظروف. لكن الكارثة أن يتحول التحالف إلى ارتهان، وأن تتحول الشراكة إلى تبعية، وأن يصبح القرار مرهونًا بإشارة من الخارج، لا بإرادة الداخل.


والأخطر من ذلك أن بعضهم يندفع نحو الارتهان دون أن يسأل: من سأكون بعد هذه الخطوة؟ وهل سأظل صاحب قرار، أم سأتحول إلى مجرد أداة تُستخدم ثم تُستبدل متى انتهى دورها؟


ومن يعدك بتحقيق أحلامك، أو بمنحك ما عجزت عن تحقيقه بنفسك، فاسأل نفسك أولًا: لماذا اختارك أنت؟ ولماذا يقدم لك هذا العرض السخي دون ضمانات، أو دون أن يطلب شيئًا في المقابل؟


فالسياسة ليست جمعية خيرية، ولا سوقًا للهبات المجانية. وكل وعد كبير يخفي وراءه مصلحة أكبر، وكل من يبالغ في رسم أحلامك قد يكون في الحقيقة يرسم حدود نفوذه عليك. وما يبدو اليوم طوق نجاة قد يتحول غدًا إلى قيد في عنقك، تدفع ثمنه من قرارك وسيادتك وكرامتك.


ولهذا، لا تنخدع ببريق الوعود قبل أن تبحث عن فاتورتها. فالتجارب علمتنا أن الأثمان المؤجلة غالبًا ما تكون أفدح من الأثمان المعلنة، وأن من يشتري ولاءك بوعد لم يُفصح عن ثمنه لن يترك لك غدًا حق اختيار طريقك.


التاريخ لا يرحم الساذجين. فقد امتلأت صفحاته بمن ظنوا أنهم يشترون النفوذ، فإذا بهم يبيعون أنفسهم بثمن بخس. وامتلأت أيضًا بمن اعتقدوا أن الارتهان يمنحهم الحماية، فإذا به يسلبهم القدرة حتى على الوقوف على أقدامهم.


الحرية ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل قرار يُدفع ثمنه كل يوم. أما العبودية، فهي تبدأ غالبًا بخطوة صغيرة يتنازل فيها الإنسان عن جزء من كرامته، ثم يعتاد التنازل حتى يصبح عاجزًا عن التمييز بين الإرادة والإملاء.


لذلك، قبل أن تمد يدك طالبًا النجاة، اسأل أولًا: من يمسك بهذه اليد؟ وما الذي سيطلبه منك غدًا؟ فليس كل من يفتح لك الباب يريد لك العبور، وليس كل من يبتسم في وجهك يتمنى لك الوصول.


فالارتهان بلا وعي ليس حلًا، بل بداية مأساة العبودية. ومن يختَر بيع حريته، فعليه على الأقل أن يعرف هوية سيده، لأن من يتنازل عن إرادته مرة قد لا يملك استعادتها مرة أخرى.


والحرية لا تُفقد دفعةً واحدة، بل تبدأ بالتنازل الأول...

فتأملوا.


الإثنين الموافق 6 يوليو 2026