منذ 1967 وعدن تنزف. والتاريخ يكتب عل
ى جدرانها بدم أبنائها، لا بحبر.
قبل 1967 كانت عدن مدينة. ميناء مفتوح للعالم كله. فيها قانون ومؤسسات ومدارس وجامعات ومستشفيات ومسرح وصحافة ومصفاة. لم تكن جنة، والاحتلال كان ظلماً يجب أن ينتهي. لكن الناس فيها كانوا يعرفون معنى المواطنة. يعرفون معنى أن تكون إنساناً في بلدك. نقول هذا أمانة للتاريخ، وليس دفاعاً عن المحتل. لأن من يزور ماضيه لن يفهم حاضره.
وبعد 1967 بدأت مراحل التدمير.
دخلتها جماعات مسلحة من مختلف مناطق اليمن، شماله وجنوبه. كان بينها ثأر ودم. اقتتلت في 1978 وفي 1986، وكانت جثث القتلى في الشوارع شاهدة على حجم الاقتتال.
ومع اختلاف هذه الجماعات وصراعها، اتفقت على شيء واحد: على تهميش عدن وإقصاء أهلها من إدارة مدينتهم.
المنتصر يفرض إدارته كغنيمة، والمهزوم ينسحب إلى مناطق نفوذه.
ويبقى أ
هل عدن وحدهم في الخراب. بلا سند قبلي يحميهم، وبلا ريف يعودون إليه. يدفنون موتاهم بأيديهم، ويبكون على جثث أبنائهم، ويدفعون ثمن كل صراع لم يشعلوه، ثم يُستبعدون من الشراكة.
تحولت عدن تدريجياً من ميناء عظيم إلى مدينة تعتمد على الإغاثة. ومن منارة علم إلى ساحة استقطاب. ومن دولة قانون إلى مكان تُوزع فيه المناصب بالولاء لا بالكفاءة. تم تدمير المرفق العام، وهُجرت النخب، وتدهور التعليم، وغابت الصحافة الحرة.
نحن نعلم أن هذه الحقائق معروفة وموثقة. ومع ذلك يتم إنكارها والتستر عليها.
قول الحق ليس تحريضاً ولا طعناً. قول الحق واجب وطني وإنقاذ. لأن عدن لم تعد تحتمل مزيداً من التهميش على حساب جثث أبنائها.
عدن ليست ضحية حرب فقط. عدن ضحية إقصاء ممنهج توافقت عليه أطراف الصراع. إقصاء حوّلها إلى مدينة بلا شركاء.
عدن ليست محطة عبور يدخلها المسؤول بحقيبة ويخرج منها بحقيبة أكبر. عدن وطن نهائي لأبنائها. وليس لهم س
واها. ومن أراد أن يحكمها فليشاركها مصيرها، لا أن يجعلها ساحة لتصفية حساباته.
هذه شهادة نكتبها للتاريخ. للأجيال الموجودة اليوم حتى لا تكرر الخطأ، وللأجيال القادمة حتى لا تُزور عليها الحقيقة.
التاريخ شاهد. والتاريخ لا يرحم.
-برغم التزوير والتحريف وطمس الحقائق، إلا أن التاريخ ظل شاهداً على هذه المأساة.-
_أحمد المريسي_
_كاتب سياسي_