ليس من السهل أن نكتب عن عدن، لأن هذه المدينة لا تُشبه غيرها. كل شارع فيها يحمل حكاية، وكل بيت فيها يعرف معنى الصبر، وكل إنسان فيها تعلّم أن يقاوم الحياة دون أن يفقد أخلاقه أو انتماءه.
عدن لم تكن يومًا مدينة تعيش على أمجاد الماضي، بل كانت مدينة تصنع المستقبل. احتضنت الجميع، وفتحت أبوابها لكل من قصدها، ولم تكن تسأل الناس من أين جاءوا، بل ماذا سيقدمون. ولهذا بقي اسمها حاضرًا في ذاكرة الوطن، لأن قيمة المدن لا تُقاس بجدرانها، وإنما بأهلها.
وأهل عدن كانوا، ولا يزالون، عنوانًا للرقي، والتسامح، والوعي، والاحترام. ورغم ما يواجهونه من أزمات اقتصادية ومعيشية وخدمية، فإنهم لم يفقدوا إنسانيتهم، ولم يتخلوا عن حبهم لمدينتهم، بل ظلوا يؤمنون أن عدن تستحق الأفضل.
لكن من حق أبناء هذه المدينة أن يتساءلوا: لماذا أصبح كثير من شباب عدن يقفون على هامش المشهد؟ لماذا تمتلئ المدينة بالكفاءات والخبرات، بينما تظل الفرص بعيدة عنهم؟ ولماذا يشعر الكثير منهم أن الطريق إلى خدمة مدينتهم أصبح أطول مما ينبغي؟
والمسألة لا تتعلق بالشباب وحدهم، فعدن تزخر أيضًا بنساء أثبتن جدارتهن في مختلف المجالات، ويحملن من الكفاءة والخبرة ما يجعلهن قادرات على تحمل المسؤولية وصناعة الفارق. كما تضم جيلًا جديدًا يحمل أفكارًا مختلفة، وطموحًا صادقًا، ورغبة حقيقية في العمل والعطاء. هؤلاء لا يبحثون عن مجاملة، ولا ينتظرون منحة، وإنما ينتظرون فرصة عادلة تثبت أن الكفاءة ما زالت لها مكان.
لا أحد ينكر فضل أصحاب الخبرة، فهم محل احترام وتقدير، لكن الخبرة لا تعني أن تتوقف عجلة التجديد. فالمؤسسات التي لا تفتح أبوابها لدماء جديدة، تحكم على نفسها بالجمود. أما الأوطان التي تؤمن بشبابها، فهي التي تصنع مستقبلها بثقة.
لقد أصبح حلم كثير من شباب عدن وبناتها متواضعًا إلى حدٍ مؤلم. لم يعد الحلم منصبًا أو امتيازًا، بل فرصة لإثبات الذات، ومكانًا يترجم سنوات الدراسة والتعب، وتقديرًا يشعرهم بأن وطنهم يرى فيهم قيمة، لا مجرد أسماء على قوائم الانتظار.
لسنا نطالب بإقصاء أحد، ولسنا ضد أحد، وإنما نطالب بأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة، وأن تُمنح الفرصة لمن يستحقها. فعدن لا ينقصها الرجال، ولا تنقصها النساء الكفوءات، ولا ينقصها الشباب الطامح، وإنما ينقصها أن تؤمن أكثر بقدرات أبنائها وبناتها.
أصبحنا نحلم بشيء بسيط جدًا... أن يحصل الشاب على فرصة، وأن تجد الشابة الكفؤة مكانها، وأن يكون الاجتهاد طريقًا للتقدير، لا مجرد رحلة طويلة من الانتظار.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني ولا في المناصب، بل في الإنسان. وعندما تمنح عدن أبناءها وبناتها الثقة، فإنها لا تنصف أفرادًا فحسب، بل تؤسس لمستقبل مدينة تستحق أن تستعيد مكانتها، وأن تُدار بعقول تؤمن بها، وقلوب تنتمي إليها.
بقلم: المحامية فاطمة علي إبراهيم علي نور