من تواضع الحاكم قامت الدولة

قبل ساعة


أحمد المريسي
بقلم: أحمد المريسي
ارشيف الكاتب


من عمر إلى عمرو: بلغني أنك تجلس متكئاً، فاجلس متواضعاً. وإلا عزلتك.


عبارة واحدة، تكفي لإعادة بناء دولة. لأنها لم تخاطب الجسد، خاطبت المعنى. لم تعالج وضعية ظهر، عالجت وضعية سلطة.


الحاكم حين يتكئ، لا يريح ظهره فقط. يتكئ على هيبة المنصب، ويتكئ على ضعف المحكوم، ويتكئ على صمت الرعية. والاتكاء في مجلس الحكم خيانة مبطنة للأمانة. لأنه إشارة أن الكرسي ملك، وأن الأمر شورى منقوصة، وأن الباب بين الحاكم والناس قد أُغلق.


عمر بن الخطاب لم يرسل لعمرو بن العاص تذكيراً بالبروتوكول. أرسل له ميزاناً تقاس به كل سلطة من بعده. قال له: إن أول مظاهر الفساد لا تبدأ بسرقة، تبدأ باتكاء. وإن أو

ل خطوة نحو الاستبداد لا تبدأ بقرار، تبدأ بجلسة متكبرة في مجلس القضاء.


اليوم لا نحتاج من يخبرنا أن الكراسي تغيرت خشبها، وأن القصور كبرت جدرانها. نحتاج من يذكرنا أن الاتكاء لم يمت. اتكأ بعضهم على التقارير فصدقها دون أن يرى، واتكأ بعضهم على الحراسات فابتعد عن الشارع، واتكأ بعضهم على التصفيق فظن أن الصوت العالي هو صوت الحق.


الدولة لا تسقط حين يميل الحاكم بجسده. تسقط حين يميل بميزانه. وحين يرى نفسه فوق المساءلة، وفوق النقد، وفوق وجه المواطن البسيط الذي جاء يطلب حقه.


الرسالة واضحة منذ 1400 عام ولا تحتاج شرحاً: من جلس للحكم فليجلس كما يجلس الناس. من حمل الأمانة فليحملها بظهر مستقيم وعين مفتوحة ويد لا ترتجف. ومن ظن أن الكرسي دائم فليتذكر أن ال

عزل كلمة واحدة عند من يخاف الله في الرعية.


فإما أن تجلس متواضعاً، وإما أن تُعزل. لا خيار ثالث بينهما في ميزان عمر. ولا عذر اليوم لمن قرأ التاريخ ثم أعاد إنتاج الاتكاء باسم جديد.


هكذا تُبنى الدول، وهكذا تُصان، وهكذا يُحاسب من خانها وهو جالس.



احمدالمريسي

كاتب سياسي