في السياسة، لا تقاس اهمية الشخصيات بعدد اللقاءات التي تعقدها، وإنما بما تتركه من اثر في المشهد، وبالرسائل التي يقرأها المتابعون بين سطورها. ومن هذا المنطلق، تابعت باهتمام، وبصفة شخصية كأخ وزميل وصديق قديم، اللقاءات التي اجراها المهندس احمد بن احمد الميسري، نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق، في مقر إقامته بالعاصمة السعودية الرياض. ولم يكن اللافت تعدد تلك اللقاءات فحسب، بل ما عكسته من تقدير واحترام لدى الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وما اكدته من حضور سياسي ومكانة لدى عدد من القيادات والشخصيات والمكونات السياسية، ولا سيما الجنوبية.
ولم يأت هذا الاهتمام من فراغ، فالمشهد السياسي اليمني، والجنوبي على وجه الخصوص، يعيش حالة من الجمود بعد سنوات طويلة من الحرب، فيما تتزايد الحاجة إلى قيادات تمتلك القدرة على جمع الفرقاء، وإحياء الحوار، وبناء مساحات مشتركة بدلاً من تعميق الانقسام.
لقد جاء ظهور احمد الميسري في لحظة سياسية حرجة، ليعيد طرح سؤال مشروع: هل ما زالت هناك فرصة لإنتاج خطاب سياسي يجمع ولا يفرق؟ فالجنوبيون اليوم احوج ما يكونون إلى شخصيات تمتلك رصيداً سياسياً وعلاقات واسعة، قادرة على تقريب وجهات النظر، والدفع بالحوار الجنوبي-الجنوبي نحو تفاهمات تفتح آفاقاً جديدة، بعيداً عن منطق الإقصاء، وتؤسس لمستقبل لا ترتهنه صراعات الماضي.
ولعل الرسالة الأهم التي حملتها هذه اللقاءات أن المرحلة لم تعد تحتمل إعادة إنتاج الانقسامات، بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، ولا سيما الجنوبية منها، باعتبارها المدخل الطبيعي لإحياء الحوار الجنوبي-الجنوبي وصياغة شراكة سياسية قادرة على مواجهة التحديات.
كما تزامن هذا الحضور مع تطلع كثير من اليمنيين إلى إنهاء الحرب، وإنصاف القضية الجنوبية ضمن مسار سياسي عادل، وبناء سلام يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن أمنه وكرامته.
إن عودة الميسري إلى واجهة المشهد تعيد إلى الأذهان ما عرف عنه من ثبات في المواقف، وتواضع في التعامل. وهي صفات تستحضر قول الشاعر اليمني محمد محمود الزبيري:
"خرجنا من السجن شمَّ الأنوف... كما تخرج الأسود من غابها."
ويختزل هذا البيت معاني العزة والثبات وعدم الانكسار، وهي معان يرى كثير من مؤيديه أنها رافقت مسيرته السياسية، إلى جانب احترامه للناس، وتمسكه بمبادئه، وابتعاده عن الخطابات المناطقية والعنصرية.
وبقدر ما احيا ظهور احمد الميسري آمال كثيرين في تحريك المشهد السياسي، فإن مستقبل المرحلة لن يصنع إلا بإرادة سياسية تمتلك الشجاعة لتجاوز خلافات الماضي، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، وجعل الحوار طريقاً لبناء الشراكة، لا ساحة لإدارة الخصومة.
إن الجنوب يقف اليوم امام فرصة تاريخية لتجاوز خلافات الماضي عبر حوار جنوبي-جنوبي مسؤول، يؤسس لشراكة سياسية حقيقية، ويعزز وحدة الصف في مواجهة التحديات. فإما أن تنتصر الحكمة ويعلو صوت العقل، وإما أن تستمر دوامة الاستنزاف التي لم يربح منها أحد.
وعلى الرغم من الثقة التي يضعها كثيرون في قدرة احمد الميسري على الإسهام في إدارة الحوار الجنوبي-الجنوبي وإنجاحه، فإن نجاح هذه المرحلة يظل مسؤولية جماعية، ويظل مرهوناً بقدرة جميع القوى الوطنية على تحويل الحضور السياسي إلى مشروع للحوار، والحوار إلى شراكة وطنية تضع حداً للحرب، وتنصف القضية الجنوبية، وتفتح امام اليمنيين أفقاً جديداً للاستقرار والسلام.
وفي هذا السياق، نتمنى التوفيق للمهندس احمد الميسري، ولكل المخلصين من ابناء الوطن، وأن تتجه الجهود نحو خدمة المواطن، وصناعة مستقبل يسوده الأمن والاستقرار والعدالة.