أزمة الوعي... حين يصبح الإنسان قشة في مهب السياسة

قبل ساعة


أحمد ناصر حميدان
بقلم: أحمد ناصر حميدان
ارشيف الكاتب

كثيرة هي الأسئلة التي تراودني وأنا أتأمل هذا الواقع المثقل بالخيبات.

ما الذي أنتج كل هذه الإخفاقات؟

ومن المسؤول عن مآسينا؟

هل هو إرث طويل من الأخطاء والعقول التي عجزت عن قراءة التاريخ؟ أم أننا كنا، وما زلنا، ضحايا لأجندات خارجية صنعت لنا منعطفات سياسية متلاحقة، فدفعت بمجتمعاتنا إلى دوائر لا تنتهي من الصراع؟

في خضم هذا المشهد يطفو على السطح من يتوهم أنه صانع للأحداث، بينما لا يعدو كونه قشة تتقاذفها أمواج مخاض سياسي أكبر من قدرته على الفهم والاستيعاب. تحمله التيارات حيث تشاء، وتقذفه المصالح والمؤامرات من ضفة إلى أخرى، فلا نسمع منه إلا ضجيج ارتطامه بجدران الواقع، دون أن يمتلك مشروعًا أو رؤية، أو حتى القدرة على استشراف المستقبل.

والمأساة أن بعض الناس يخلطون بين ارتفاع الصوت وعمق الفكرة، وبين ضخامة الجسد وقوة العقل. والحقيقة أن كثيرًا من الجثث الضخمة تحمل عقل دجاجة؛ تنظر إلى الأحداث بعين اللحظة، وتتحرك بغريزة الانفعال، وتظن أنها تقود المشهد، بينما هي في الحقيقة مجرد أدوات تحركها قوى تفهم قواعد اللعبة أكثر منها.

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود الخصوم فحسب، بل فقدان الهوية وغياب الوعي. فالإنسان الذي لا يعرف من هو، ولا ماذا يريد، ولا إلى أي مشروع ينتمي، يصبح مادة سهلة للتوجيه والاستغلال. تُصنع له القضايا، وتُرسم له الخصومات، ويُدفع إلى معارك تخدم مصالح الآخرين، بينما يعتقد أنه يدافع عن وطنه أو مبادئه.

وحين يغيب الوعي، تتحول بعض الشخصيات إلى أبواق تردد ما يُلقى إليها، وإلى أدوات تُستخدم ثم تُستبدل بمجرد انتهاء دورها، لأنها لم تؤسس مواقفها على معرفة وبصيرة، بل على انفعال، أو مصلحة، أو وهم البطولة.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل نحن ضحايا فقط؟ أم أننا ساهمنا في صناعة هذا الواقع حين تنازلنا عن حقنا في التفكير، وسلمنا عقولنا لمن يتحدث بصوت أعلى، أو يرفع شعارًا أكثر بريقًا؟ فالأمم لا تنهزم عندما تتآمر عليها القوى الخارجية فحسب، بل عندما تعجز عن إنتاج وعي يحصّنها من الاختراق، ويجعلها قادرة على التمييز بين المشروع الوطني الحقيقي، والمشروع الذي يُراد له أن يكون أداة في يد الآخرين.

أما أصحاب الوعي الحقيقي، فلا تجرفهم العواصف ولا تغريهم الأضواء. يقرأون المشهد بعقولهم قبل عواطفهم، ويميزون بين المعركة التي تستحق أن تُخاض، وتلك التي صُنعت لاستنزاف الناس وتشتيت الأوطان.

فالأوطان لا يحميها الضجيج، ولا تصنع مستقبلها الشعارات، وإنما يحميها وعيٌ راسخ، وهويةٌ واضحة، وعقولٌ تدرك أن السياسة ليست ساحةً للاندفاع الأعمى، بل ميدانٌ للبصيرة والحكمة وحسن التقدير.

ولعل أعظم معاركنا اليوم ليست معركة السلاح ولا السلطة، بل معركة استعادة الإنسان الواعي؛ الإنسان الذي يعرف نفسه، ويفهم واقعه، ويصنع قراره بإرادته لا بإملاءات غيره. فحين يستعيد المجتمع وعيه، يصبح عصيًا على التوجيه، ويغدو قادرًا على صناعة مستقبله بنفسه، بدل أن يبقى مجرد قشة تتقاذفها رياح السياسة.

احمد حميدان