محدَث النعمة... ودناءة النفس

قبل ساعة


عزيز القعيطي
بقلم: عزيز القعيطي
ارشيف الكاتب


✍🏻 عزيز القعيطي


هناك أناس

لا تغيّرهم النعمة، بل تكشفهم.

ه، ازداد تواضعًا، لأن من ذاق ضيق العيش يعرف قيمة الكلمة الطيبة، ولا ينسى الطريق الذي جاء منه. أما محدود النفس، فما إن تتبدل ظروفه حتى يتعامل مع ماضيه وكأنه وصمة عار، ومع الناس الذين عاش بينهم وكأنهم صفحة يريد تمزيقها.


تراه يسافر، فيكتشف فجأة أن الفالإنسان الكريم إذا تبدلت أحوا

لعالم بدأ يوم وصل، وأن الحضارة لم تكن موجودة قبله. يتحول حسابه في وسائل التواصل إلى معرض دائم للفاكهة، وكوب القهوة، والأبراج، والمراكز التجارية، والأرصفة النظيفة، لا لأنه يريد مشاركة لحظات جميلة، بل لأنه يريد أن يقول، من وراء كل صورة: "انظروا أين أصبحت... وانظروا أين بقيتم يا رمم."


يلتقط صورة لثمرة فاكهة كأنها اختراع جديد، ويقف أمام برج شاهق وكأنه المهندس الذي بناه، ويقارن كل مشهد بما تركه خلفه، لا حبًا في المقارنة، بل رغبة في تصغير ماضيه وتعظيم حاضره.


وكأن رسالته الدائمة هي: كنت جائعًا... وهنا شبعت.


ولو توقف عند شكر النعمة لصفق له الجميع، لكن المشكلة تبدأ

حين تتحول النعمة إلى أداة للتفاخر، ويصبح الامتنان استعراضًا، وتصبح كل صورة محاولة لإقناع الآخرين بأنه انتقل من قاع البيارة إلى قمة الكون.


المفارقة أن أكثر الناس استعراضًا للنعمة هم أقلهم ثقة بأنفسهم. فالواثق لا يحتاج إلى أن يذكّر الناس كل يوم بما يأكل، ولا أين يسكن، ولا ماذا اشترى. أما المهزوز من الداخل، فيعيش أسير حاجة دائمة إلى التصفيق والإعجاب، وكأن قيمته تُقاس بعدد الصور التي ينشرها، لا بما يحمله من أخلاق.


النعمة ليست عيبًا، بل فضل من الله يُشكر عليه. والعمل في أي بلد شريف، والرزق الواسع أمنية لكل إنسان. لكن العيب أن يتحول "البنكس" إلى سلّم للتعالي على الآخرين، وأن تصبح الوفرة سببًا لاحتقار المكان الذي خرج منه الإنسان، والناس الذين كانوا يومًا جزءًا من حياته.


المؤلم أن بعضهم لا يكتفي بالاستمتاع بحياته الجديدة، بل يحرص على تذكير الجميع بأنه كان يعيش في بيت متواضع، وكأن التواضع تهمة، أو أن الفقر المؤقت عار يجب اله

روب منه. وينسى أن قيمة الإنسان لا يصنعها ارتفاع المباني التي يلتقط أمامها الصور، بل ارتفاع أخلاقه.


فالبيوت المتواضعة لا تُعيب أصحابها، لكن النفوس الدنيئة تفضح أصحابها أينما كانوا.


وفي النهاية، ليست المشكلة في أن الإنسان تحسنت ظروفه؛ فهذه نعمة تستحق الحمد. المشكلة أن بعض النفوس، حين تمتلئ الجيوب، تفرغ القيم، وحين يرتفع الرصيد، ينخفض الذوق، وحين تتبدل المعيشة، يظن صاحبها أنه أصبح أكبر من تاريخه، وأعلى من الناس.


وهكذا تثبت الأيام حقيقة بسيطة: النعمة لا تصنع إنسانًا عظيمًا... لكنها تكشف معدن الإنسان الذي كان مختبئًا خلف الحاجة.