بعد الاعتراف بالحوثي... ماذا بقي من أهداف الحرب ومشروعية التحالف العربي؟

قبل ساعتين


علي محمد سيقلي
بقلم: علي محمد سيقلي
ارشيف الكاتب

لم يُنشأ التحالف العربي ليكون وجودًا عسكريًا مفتوحًا إلى ما لا نهاية، ولم يكن تدخله في اليمن هدفًا قائمًا بذاته، بل جاء استجابة لطلب رسمي من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، واستنادًا إلى مبررات قانونية وسياسية واضحة، في مقدمتها حماية الشرعية، وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي، وإعادة مؤسسات الدولة إلى العاصمة صنعاء، وفقًا لمرتكزات أبرزها قرار مجلس الأمن رقم 2216.

في القانون، كما في السياسة، لا تكتسب أي عملية عسكرية مشروعيتها من القوة، وإنما من الغاية التي وُجدت لتحقيقها. فإذا انتفت الغاية، أو تغيرت بصورة جوهرية، أصبح من المشروع إعادة تقييم الأساس القانوني والسياسي الذي تستند إليه.

اليوم، وبعد سنوات من الحرب، تبدو الصورة مختلفة تمامًا عما كانت عليه في عام 2015. فالحديث الدولي لم يعد يدور حول إنهاء الحوثيين أو استعادة العاصمة، وإنما حول الاعتراف بهم كطرف سياسي رئيسي، والتفاوض معهم باعتبارهم سلطة أمر واقع. وأصبحت معظم المبادرات الدولية تنطلق من فكرة التسوية مع الحوثي، لا القضاء على الانقلاب.

وهنا يبرز السؤال القانوني والسياسي الكبير: إذا كان المجتمع الدولي يتعامل مع الحوثي باعتباره طرفًا معترفًا به في أي تسوية قادمة، وإذا أصبحت المفاوضات تقوم على إشراكه في السلطة بدل إنهاء انقلابه، فهل بقي الهدف الذي تأسس عليه التحالف العربي قائمًا؟

إن الاعتراف السياسي بأي طرف كان يُعدّ في الأصل هدفًا للعمل العسكري لإسقاط انقلابه، يعني أن البيئة القانونية والسياسية قد تغيرت بصورة جوهرية. فالحرب التي بدأت لإعادة الشرعية لا يمكن أن تستمر بالمنطق ذاته إذا تحولت غايتها إلى إدارة توازنات سياسية جديدة.

ولا يعني ذلك بالضرورة سقوط الشرعية القانونية للتحالف بصورة تلقائية، لأن هذا يرتبط أيضًا باستمرار طلب الحكومة اليمنية وبالاعتبارات القانونية الدولية، لكنه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى استمرار المبررات التي قامت عليها العملية العسكرية، ومدى الحاجة إلى تعريف جديد للأهداف والمهام.

فالقانون الدولي لا يمنح تفويضًا مفتوحًا بلا سقف زمني أو بلا أهداف قابلة للتحقق. وكل تدخل عسكري يحتاج إلى مراجعة مستمرة لمدى اتساقه مع الظروف التي نشأ في ظلها.

أما سياسيًا، فإن استمرار أي تحالف دون إعلان واضح عن أهدافه الجديدة يفتح الباب أمام التأويل، ويجعل الرأي العام يتساءل: هل ما زالت المهمة هي استعادة الدولة؟ أم إدارة الصراع؟ أم حماية المصالح الإقليمية؟ أم مجرد الحفاظ على حالة اللاسلم واللاحرب؟

ولذلك، فإن المرحلة الراهنة تستوجب وضوحًا سياسيًا أكثر من أي وقت مضى. فإذا كانت المعادلة قد تغيرت، فمن حق الشعوب أن تعرف ما الذي تغير، وما هي الأهداف الجديدة، وما هو السند القانوني والسياسي لاستمرار أي وجود عسكري.

إن احترام القانون لا يعني فقط الالتزام به عند بداية التدخل، بل يقتضي أيضًا مراجعة مشروعيته كلما تبدلت الوقائع التي بُني عليها.

فالتاريخ لا يحاسب الدول على كيفية بدء الحروب فحسب، وإنما يحاسبها أيضًا على قدرتها في معرفة اللحظة التي تصبح فيها الأهداف القديمة غير موجودة، وتستدعي رؤية جديدة تعكس الواقع بدل الاستمرار في خطاب لم يعد يواكب المتغيرات.

وعندما تتغير الغاية التي قامت عليها أي عملية عسكرية، يصبح السؤال عن مشروعية استمرارها سؤالًا قانونيًا وسياسيًا مشروعًا، لا موقفًا عدائيًا، ولا تشكيكًا، بل ممارسة طبيعية يفرضها منطق الدولة وسيادة القانون.