نظام تقييم الثانوية العامة بين الامتحانات الوزارية والمعدل التراكمي... رؤية لتطوير التعليم في اليمن

قبل ساعة


عارف ناجي علي
بقلم: عارف ناجي علي
ارشيف الكاتب

شهدت الأيام الماضية نقاشا واسعا حول مقترحات تدعو الى إلغاء الاختبارات الوزارية النهائية للصف الثالث الثانوي والاستعانة عنها بنظام يعتمد على المعدل التراكمي واعمال السنة استنادا الى مبررات عديدة من ابرزها توفير الوقت والحد من الغش وتفعيل أعمال السنة وتخفيف النفقات وتسريع اصدار الشهادات.


ورغم اهمية هذا النقاش فإن اي اصلاح تربوي لا ينبغي ان يقوم على معالجة جزئية او الاستجابة لردود الأفعال بل يجب ان يستند الى دراسة علمية وفنية وادارية وقانونية شاملة تراعي واقع التعليم في اليمن والتحديات الت

ي تواجهه فالقضية ليست في الإبقاء على الامتحانات الوزارية او إلغائها وانما في بناء نظام تقييم عادل وموثوق يعكس المستوى الحقيقي للطالب ويحقق جودة التعليم.


ان المشكلة الاساسية ليست في وجود الامتحانات الوزارية بل في الاختلالات التي تعاني منها المنظومة التعليمية مثل ضعف الرقابة وانتشار الغش وتفاوت مستوى الانضباط بين المدارس وتاخر بدء العام الدراسي وكثرة الانقطاعات ونقص الكادر التعليمي ولذلك فان اصلاح منظومة التقييم يجب ان يكون جزءا من إصلاح شامل للعملية التعليمية وليس مجرد تغيير لشكل الامتحان.


قد يعتقد البعض ان إلغاء الامتحانات الوزارية سيوفر الوقت ويسهم في استكمال المقررات الدراسية الا ان الواقع يؤكد ان اسباب التأخير تعود في الأساس الى تاخر بدء الدراسة والانقطاعات المتكررة ونقص المعلمين وضعف انتظام العملية التعليمية ومن ثم فإن معالجة هذه الأسباب هي الطريق الحقيقي للاستفادة من الزمن المدرسي.


اما الاعتماد على اعمال السنة فانه يحمل جوانب ايجابية مهمة ابرزها متابعة مستوى الطالب طوال العام وتشجيعه على الالتزام بالحضور والواجبات والأنشطة المدرسية الا ان نجاح هذا النظام يتطلب وجود م

عايير وطنية موحدة للتقييم ورقابة فعالة تضمن العدالة بين جميع المدارس لأن اختلاف اساليب التقييم من مدرسة الى اخرى او من معلم الى اخر قد يفتح المجال للتفاوت او المجاملة او ضعف الموضوعية.


كما ان الغاء الامتحانات الوزارية لا يعني بالضرورة القضاء على الغش اذ قد تنتقل هذه الظاهرة الى الاختبارات المدرسية اذا غابت الرقابة لكن توزيع درجات الطالب على مدار العام يقلل من تاثير الغش في اختبار واحد ويجعل تقييمه اكثر ارتباطا بادائه الحقيقي كما يمنح المعلم فرصة افضل للحكم على مستوى طلابه.


ومن ابرز المزايا المتوقعة لنظام التقييم التراكمي انه يعزز الانضباط المدرسي حيث يدرك الطالب ان نجاحه مرتبط بحضوره ومشاركته وادائه المستمر وليس بايام الامتحانات النهائية فقط وفي الوقت نفسه يستعيد المعلم دوره التربوي والتعليمي كشريك اساسي في عملية التقييم بما يعزز الاحترام المتبادل داخل المدرسة ويرفع مستوى الالتزام لدى الجميع.


ولا يمكن هنا اغفال الجانب المالي فالامتحانات الوزارية تستهلك موارد كبيرة في الطباعة والنقل والحماية والتصحيح والإشراف والسفر ولجان واذا تم اعتماد نظام تقييم تراكمي منظم فإن جزءا من هذه الموارد يمكن توجيهه الى تدريب المعلمين وتطوير المدارس وتحسين ادوات التقييم وبناء انظمة اكترونية للرصد والمتابعة ودعم المديريات التعليمية في تنفيذ منظومة تقييم حديثة.


وفي المقابل ينبغي التاكيد ان ارتفاع نسب النجاح لا يعني بالضرورة تحسن جودة التعليم فالمؤشر الحقيقي يتمثل في امتلاك الطالب للمعارف والمهارات التي تؤهله للمرحلة الجامعية او لسوق العمل وليس مجرد حصوله على درجات مرتفعة لا تعكس مستواه الحقيقي.


أما فيما يتعلق بالقبول الجامعي فمن الممكن معالجة هذه المسالة من خلال التنسيق بين وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والتعليم الفني والتدريب المهني بحيث يعتمد القبول على المعدل التراكمي الى جانب امتحانات

قبول خاصة بالكليات والتخصصات المختلفة كما يمكن توجيه الطلاب الذين لا يحققون الحد الأدنى للقبول الجامعي نحو المعاهد الفنية والمهنية بما يعزز التعليم التقني ويلبي احتياجات سوق العمل.


ويمكن للوزارة دراسة اعتماد نموذج تراكمي يوزع الدرجات على سنوات المرحلة الثانوية تراها مناسبة بعد الدراسات الفنية بما يضمن ان يكون التقييم معبرا عن اداء الطالب خلال سنوات الدراسة وليس في اختبار واحد فقط.


ولكي ينجح هذا النظام لا بد من توفير مجموعة من الضمانات في مقدمتها توحيد معايير التقييم في المدارس الحكومية والأهلية واعداد مصادر أسئلة موحدة وتشكيل لجان اشراف على مستوى المديريات وتدوير المراقبين واستخدام انظمة إلكترونية للرصد وإصدار النتائج مع تطبيق اجراءات قانونية صارمة بحق كل من يثبت تورطه في التلاعب بالدرجات.


وتؤكد التجارب الدولية ان الاتجاه الحديث لا يقوم على الغاء الاختبارات بالكامل بل على تنويع ادوات التقييم ففي بعض الدول يعتمد القبول الجامعي على المعدل التراكمي الى جانب اختبارات قبول معيارية بينما يعتمد بدول اخرى بصورة كبيرة على التقييم المستمر ضمن معايير وطنية موحدة تمنح المدارس مساحة مناسبة من الصلاحيات وهذا يثبت ان نجاح اي نظام لا يرتبط بوجود امتحان نهائي او الغائه وانما بوجود منظومة متكاملة تحقق العدالة والشفافية وجودة المخرجات.


ان مستقبل التعليم في اليمن يحتاج إلى اصلاح شامل لمنظومة التقييم وليس مجرد تغيير في شكل الامتحانات ومن هنا تبرز الحاجة إلى فتح حوار وطني تشارك فيه وزارة التربية والتعليم والجامعات والخبراء والمعلمون ومديرو المدارس ومنظمات المجتمع المدني بهدف الوصول الى نظام تقييم حديث يجمع بين العدالة والشفافية وجودة التعليم.


وارى ان اعتماد المعدل التراكمي اذا احسن تصميمه ووضعت له معايير وطنية موحدة ورقابة فعالة وربط بالقبول الجامعي من خلال اختبارات قبول تخصصية يمكن ان يمثل خطوة مهمة نحو تطوير التعليم وتعزيز مكانة المعلم وتحقيق الانضباط المدرسي والارتقاء بمستوى الطالب بما يخدم مستقبل الوطن واجياله القادمة.


دعوة لفتح نقاش علمي ومسؤول حول مستقبل تقييم الثانوية العامة بعيدا عن الانطباعات وردود الأفعال وصولا الى نظام يحقق العدالة ويصنع مخرجات تعليمية قادرة على المنافسة والإسهام في بناء مستقبل اليمن.


- مستشار وزارة التربية والتعليم