نهر لا يجف

قبل ساعة


ناصر كرد
بقلم: ناصر كرد
ارشيف الكاتب


في لحج حين يضيق الحال ويتعب الظهر من كثرة الانتظار، يظهر اسم واحد كأنه نداء أخير لا يخيب: -فواز فيصل الشاؤش-. هو كما وصفه أهله ورفاقه وكل من عمل معه، نبراس النجاح في العمل الإنساني، ورئيس جمعية الهلال الأحمر اليمني فرع لحج. سليل أمراء، لكنه اختار أن يكون خادم الفقراء لا سيدهم، لأن العظمة عنده لا تقاس باللقب بل بالأثر.


أهمية فواز لا تأتي منصب، بل من قدرة نادرة على ترتيب أي عمل إنساني بصورة عالمية، وتوصيله إلى مستحقيه بكل دقة وأمانة، دون نقص ولا تبديل ولا ضياع. رجل كريم حتى مع خصمه، نزيه حتى في تفاصيل الكرتون الصغير، يحبه كل المحافظين لأنه سبقهم بالفعل قبل القول. نشاط لا يهدأ، وحيوية لا تنطفئ، وقلب لا يعرف أن ينام والجائع صاحٍ.


فواز الشاؤش ليس موظف إغاثة عابر. هو عميد العمل الإداري والإنساني في لحج. ابن الأصول، صاين المحبة والود لزملائه في كل الظروف، في الرخاء وفي الحرب، في الوفرة وفي الشح. عمله يشبه نهر النيل، لا يجف ولا ينضب، يسقي ولا يطلب ثمناً. ساهر الليل يرتب وينظم القوافل والسلات والكسوات والأدوية، يخطط كقائد ميدان وينفذ كجندي في الصف الأول.


لو كان العمل الإنساني جيشاً لكان فواز قائده الذي لا تُكسر رايته. قوة منظمة كقوة جيش بريطانيا في انضباطها، وقلب كبير كقلب أم في رحمتها. إذا دخل قرية دخلت معه الكرامة، وإذا خرج بقي أثره عزاً. جعل لحج تعيش بعز وكرامة لا بالشفقة. يعرف اسم الأرملة، ويعرف باب البيت الذي فيه مريض، ويعرف الطفل الذي انقطع عن المدرسة بسبب لقمة. لا ينتظر تقريراً ليتحرك، هو التقرير نفسه، هو العين التي ترى، واليد التي تصل.


يقولون عنه إنه جنكيز خان زمانه في الحزم والإدارة، وأقول هو جنكيز الخير في زماننا. يفتح المدن لا بالسيف، بل بالسلة والدواء والبسمة. يدير الجمعية كدولة مصغرة، نظام وشفافية ومتابعة ومحاسبة للذات قبل الآخرين. من عدن إلى لحج، من أبين إلى شبوة، من حضرموت إلى المهرة، وحتى البحر سمع باسمه، لأن الإغاثة إذا خرجت من لحج بيد فواز وصلت كما يجب أن تصل.


هو الذي حول الهلال الأحمر من مكتب استقبال مساعدات إلى مصنع كرامة ينتج الأمل. زملاؤه يحبونه لأنه لا يأكل حق أحد، والفقراء يحبونه لأنه لا ينسى أحد. ما فعله ليس الحلقة الأخيرة، بل الحلقة الأولى من مشروع طويل اسمه إنسانية لا تنتهي. كلما ظن الناس أن الخير تعب، نهض فواز وذكرهم أن في لحج رجالاً لا يتعبون.


يكتب اسمه الفقير على جدار بيته الجديد، وتكتبه الأم على دعائها، ويكتبه التاريخ في سجل من سبقوا. سليل أمراء، لكنه اختار أن يكون أميراً للقلوب. إذا غاب المطر كان هو المطر، وإذا اشتد الجوع كان هو الخبز. منشور هذا لا يجامله، يصفه كما هو: رجل دولة في هيئة إنسان.


فواز فيصل الشاؤش سيبقى علامة في لحج، لأن من بنى للناس كرامتهم بنى لنفسه خلوداً. وهذه ليست النهاية، بل البداية. لأن نهر الخير الذي بدأه فواز سيجري بعده أجيال.


-المستشار ناصر كرد-