إن النقاش حول اللامركزية في اليمن لا ينبغي أن ينطلق من الأزمة الاقتصادية وحدها
وإنما من المنظومة القانونية
التي أرست مفهوم الإدارة المحلية
ومدى قدرتها على الاستجابة للتحولات التي فرضتها الحرب والانقسام المؤسسي. فاللامركزية
ليست مجرد خيار إداري
انما التزام دستوري وقانوني يهدف إلى تحقيق المشاركة الشعبية.
وتعزيز التنمية المتوازنة
وتقريب الخ
دمات من المواطنين.
لقد وضع دستور الجمهورية اليمنية الأساس لمبدأ الإدارة المحلية، وأكد على توسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون العامة، ثم جاء قانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000 ولائحته التنفيذية ليحدد اختصاصات الوحدات الإدارية، وينظم العلاقة بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، ويمنح المجالس المحلية شخصية اعتبارية واستقلالًا إداريًا وماليًا نسبيًا.
غير أن التطبيق العملي كشف عن فجوة بين النص القانوني والممارسة
إذ بقيت معظم الصلاحيات المالية والقرارات الاستراتيجية محتكرة من قبل السلطة المركزية
بينما تحملت السلطات المحلية مسؤولية تقديم الخدمات دون امتلاك الموارد الكافية أو الاستقلال المالي الحقيقي.
وبالتالي فإن اللامركزية في اليمن كانت أقرب إلى لامركزية إدارية مقيدة منها إلى نظام حكم محلي متكامل.
وج
اءت الحرب لتعمق هذا الاختلال.
فقد أدى الانقسام المؤسسي، وتعليق صادرات النفط والغاز
وتراجع الإيرادات العامة
إلى إضعاف قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المحافظات
كما تعطلت كثير من النصوص القانونية المنظمة للعلاقة المالية بين المركز والوحدات المحلية.
وحلت محلها ترتيبات استثنائية فرضها الواقع السياسي والعسكري.
ومن منظور قانوني
فإن الأزمة الراهنة لا تعني سقوط الإطار التشريعي
ت من مفهوم الإدارة المحلية التقليدية إلى الحكم المحلي واسع الصلوإنما تكشف الحاجة إلى مراجعته وتطويره بما يتلاءم مع المتغيرات.
فالقانون الحالي
وُضع في ظل دولة موحدة ذات مؤسسات مستقرة نسبيًا
بينما تواجه اليمن اليوم واقعًا مختلفًا يتطلب إعادة تنظيم الاختصاصات
وتحديد مصادر الإيرادات المحلية
ووضع قواعد قانونية واضحة لتقاسم الموارد الوطنية
وضمان الرقابة والمساءلة.
كما أن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل مثلت تطورًا مهمًا في الفكر الدستوري اليمني
إذ انتق
لاحيات ضمن الدولة الاتحادية
وهو توجه ينسجم مع المعايير الحديثة للحوكمة
لكنه لم يجد طريقه إلى التطبيق بسبب تعثر العملية السياسية والحرب.
ومن هنا، فإن الإصلاح لا يقتصر على تعديل قانون السلطة المحلية
لكنه يتطلب منظومة تشريعية متكاملة تشمل:
- إصدار قانون حديث للإدارة والحكم المحلي يواكب المرحلة الانتقالية وما بعدها.
- تعديل التشريعات المالية بما يضمن استقلالية الموازنات المحلية.
- سن قانون لتقاسم الإيرادات والثروات الوطنية بين المركز والمحافظات وفق معايير العدالة والكفاءة.
ة ومالية فعالة،
بما يحقق التوازن بين الاستقلالية والمساءلة.
أما على المستو- مراجعة قوانين الرقابة والمحاسبة بما يعزز استقلال الأجهزة الرقابية المحلية.
- مواءمة التشريعات الوطنية مع مبادئ الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلي
والمبادئ الدولية للامركزية والحكم الرشيد،
وبما لا يتعارض مع الخصوصية الدستورية اليمنية.
ومن الناحية الاقتصادية
لا يمكن أن تنجح اللامركزية
إذا بقيت مرتبطة بتحويلات المركز فقط.
فالقانون يجب أن يمنح السلطات المحلية أدوات حقيقية لتنمية مواردها
وإبرام شراكات استثمارية
وإدارة الأصول العامة المحلية،
مع إخضاع ذلك لرقابة قضائ
يى المؤسسي
فإن نجاح أي إصلاح قانوني يظل مرهونًا بإعادة بناء المؤسسات الوطنية.!
وتوحيد السياسة المالية
وتفعيل القضاء الإداري
وإجراء انتخابات للمجالس المحلية.!
لأن الشرعية الديمقراطية تمثل الضمانة الأساسية لنجاح اللامركزية.
إن الأزمة الاقتصادية في اليمن لا تعكس فقط نقصًا في الموارد، بل تكشف أزمة في البنية القانونية والمؤسسية للحكم المحلي.
لذلك فإن أي رؤية للإصلاح ينبغي أن تنطلق من إعادة بناء العلاقة القانونية والمالية بين الدولة والسلطات المحلية.
في إطار عقد دستوري جديد يوازن بين وحدة الدولة وعدالة توزيع الثروة
واستقلالية الإدارة المحلية، وخضوع الجميع للمساءلة وسيادة القانون.
ومن وجهة نظري الشخصية.
والقانونية.
فإن مفتاح نجاح اللامركزية
في اليمن لا يكمن في توسيع الصلاحيات الإدارية فقط
وإنما في بناء منظومة تشريعية متكاملة تربط بين الدستور
وقانون السلطة المحلية
والإصلاح المالي
والحوكمة الرشيدة.
بحيث تتحول اللامركزية من نصوص قانونية جامدة إلى أداة عملية لإعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية والسلام المستدام.
د نبيله الحكيمي