أمس الإثنين ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ م كانت لي زيارة عمل إلى مديرية المضاربة ورأس العارة، للاطلاع على أوضاع نادي شباب المضاربة ورأس العارة، وذلك في إطار إعداد تقرير رسمي بشأن طلب النادي الحصول على الاعتراف او ما يمكن تسميته بالتصريح المؤقت لممارسة النشاط الرياضي، وسيُرفع التقرير وفقاً لما تنص عليه اللوائح والأنظمة، إلا أن الزيارة خلفت لدي انطباعات شخصية تستحق أن تُروى بعيداً عن التقرير الرسمي.
لا يختلف اثنان على ما تتمتع به مديرية المضاربة ورأس العارة من جمال طبيعي أخاذ؛ فسواحلها الممتدة، وبحارها الزاخرة بالأسماك والأحياء البحرية، تجعل منها واحدة من أغنى مناطق محافظة لحج بالموارد الطبيعية. . كما أنها تُعد من أكبر المديريات مساحة على مستوى المحافظة.
وخلال الزيارة، حدثني عدد من الأهالي عن تاريخ التقسيم الإداري للمديرية، موضحين أن السلطات كانت تتجه إلى جعل المضاربة مديرية ورأس العارة مديرية, لتصبحا مديريتين مستقلتين، إلا أن أبناء المنطقة فضلوا بقاءهما مديرية واحدة حفاظاً على ما أسموه النسيج الاجتماعي، أملاً في معاملة إدارية عادلة، إلا أن ذلك – بحسب حديثهم – انعكس على نصيب المديرية من الوظائف والتمثيل مقارنة بمديريات أخرى تم تقسيمها إلى أكثر من مديرية.
ورغم التحديات، لمست لدى أبناء المديرية حالة من التفاؤل والترقب لمستقبل يرونه واعداً، خصوصاً إذا صدر قرار سيادي بإنشاء مرسى أو ميناء تجاري، وهو مشروع يعتقد كثيرون أنه سيكون نقطة تحول اقتصادية كبيرة للمنطقة ولأبنائها.
ومن اللافت أيضاً أن اسم الرئيس الراحل سالم ربيع علي (سالمين) ما يزال يحظى بحضور كبير في ذاكرة أبناء المنطقة.. فكثير ممن التقيتهم تحدثوا عنه بمحبة وتقدير، معتبرين أنه كان قريباً من البسطاء والفقراء، وأنه أولى مديرية المضاربة ورأس العارة اهتماماً خاصاً.
ويروي الأهالي أنه وضع حجر الأساس، أو أقر إنشاء مصنع لتعليب الأسماك في المديرية، قبل أن يُنقل المشروع لاحقاً إلى منطقة أخرى بعد رحيله، وهو ما ترك أثراً من الحزن ما زالت ترويه الأهازيج والأشعار الشعبية التي تتناقلها الأجيال.
كما استحضر الأهالي دوره في دعم التعليم، ولا سيما من خلال إنشاء مدارس لأبناء البدو والرحل، وفي مقدمتها مدرسة هويرب القريبة من المضاربة ورأس العارة.
ويؤكد الدكتور علي حسن العلقمي الأمين العام للمجلس المحلي في المديرية أن هذه المدرسة أحدثت نقلة علمية وثقافية كبيرة، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى البلاد، إذ استقطبت طلاباً من محافظات متعددة وأسهمت في تخريج كوادر تعليمية وإدارية كان لها حضورها في مختلف المؤسسات.
وفي الجانب الخدمي، استمعت إلى إشادات بالجهود التنموية الجارية في المديرية. فقد أوضح رئيس لجنة التخطيط والتنمية أن المشاريع الخدمية تغطي نحو 85% من مناطق المديرية، رغم اتساع مساحتها.. كما أشار مدير مكتب الصحة إلى أن الكثافة السكانية منخفضة نسبياً، وهو ما يجعل تقديم الخدمات أكثر تحدياً من الناحية الجغرافية.
ومن أبرز ما شد انتباهي تجربة الإدارة المحلية.. فعلى الرغم من وجود مدير عام المديرية في عدن أثناء زيارتي، فإن حضوره كان ملموساً من خلال ما أُنجز على أرض الواقع، فقد جرى إنشاء مقر حديث للسلطة المحلية، مجهز بمختلف الإمكانات، ويضم مكاتب للجهات التنفيذية، منها التربية والصحة وغيرها، مع نظام دوام يستمر على مدار 24 ساعة من الأحد إلى الخميس، بما يتيح للمواطن مراجعة الجهات المختصة في أي وقت، وهي تجربة تستحق الإشادة إذا استمرت بنفس الكفاءة.
ويقع هذا المقر في موقع ساحلي جميل يبعث على الارتياح، غير أن الساحل نفسه يكشف جانباً آخر من مسؤوليات الدولة، حيث تُشاهد سفن خشبية تم ضبطها ضمن الحملات الأمنية، بعد استخدامها – بحسب الجهات المختصة – في عمليات تهريب أسلحة أو ممنوعات، وهو ما يعكس حجم الجهود الأمنية المبذولة لحماية الساحل.
كانت رحلة ثرية بالمشاهد والانطباعات، جمعت بين جمال الطبيعة، وكرم الإنسان، والطموح إلى مستقبل أفضل، ولم يكن ما يعكر صفوها سوى تهالك بعض الطرق، وهو أمر يستدعي اهتمام الجهات المعنية، لما تمثله شبكة الطرق من ركيزة أساسية لدعم التنمية والسياحة والاستثمار في مديرية تمتلك كل مقومات النهوض.
فرحان المنتصر