كلما تراجع مستوى التعليم، ظهرت مقترحات جديدة تُقدَّم على أنها حلول للإصلاح، بينما تظل المشكلات الحقيقية كما هي دون معالجة. ومن بين هذه المقترحات ما يُتداول حول توجه وزارة التربية والتعليم إلى إلغاء الامتحانات الوزارية النهائية للصف الثالث الثانوي، والاستعاضة عنها بنظام يعتمد على المعدل التراكمي وأعمال السنة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في الامتحان، أم في المنظومة التعليمية بأكملها؟
من وجهة نظري، فإن تحسين التعليم لا يبدأ بإلغاء الامتحانات، بل بإصلاح الأسباب التي أوصلت التعليم إلى هذا المستوى. فالامتحانات ليست المشكلة، وإنما هي وسيلة لقياس مخرجات العملية التعليمية. وإذا كانت المخرجات ضعيفة، فليس الحل في إلغاء أداة القياس، بل في معالجة أسباب هذا الضعف.
كما أن الامتحانات الوزارية تحقق قدرًا من العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، لأنها تعتمد معيارًا موحدًا للتقييم، بغض النظر عن المدرسة التي يدرس فيها الطالب، سواء كانت حكومية أو أهلية أو خاص. أما الاعتماد الكامل على المعدل التراكمي وأعمال السنة، فيحتاج أولًا إلى منظومة رقابية قوية تضمن نزاهة التقييم وتمنع التفاوت بين المدارس أو أي محاباة قد تؤثر في نتائج الطلاب.
خلال السنوات العشر الماضية، شهد التعليم تراجعًا كبيرًا، ليس في مستوى التحصيل العلمي فحسب، بل في القيم التربوية أيضًا. فقد انتشرت ظاهرة الغش بشكل غير مسبوق، وللأسف شارك فيها بعض المعلمين الذين كان يفترض أن يكونوا حماةً للنزاهة التعليمية، كما ساهمت بعض الأسر في تشجيع أبنائها على النجاح بأي وسيلة، ولو كانت على حساب الأمانة.
إن إصلاح التعليم يحتاج إلى معلم مؤهل، وصاحب رسالة، وإلى أسرة تؤمن بقيمة العلم، ووزارة تمتلك رؤية واضحة وسياسات تعليمية قابلة للتنفيذ، تتابعها بجدية عبر جميع المكاتب والمديريات.
قبل الحديث عن إلغاء الامتحانات الوزارية، علينا أن نسأل: هل وفرنا بيئة مدرسية مناسبة؟ هل الكتاب المدرسي يواكب احتياجات الطالب؟ هل المناهج واضحة وسهلة الفهم؟ وهل حصل المعلم على التدريب والراتب اللذين يمكنانه من أداء رسالته كما ينبغي؟
المعلم هو أساس العملية التعليمية، وهو من يخرّج الطبيب والمهندس والقاضي والإعلامي والوزير والرئيس. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ من المعلم، علميًا وماديًا ومعنويًا.
ومن المؤسف أن العام الدراسي لم يعد يُستثمر كما كان في السابق، فأصبح ضيق الوقت مبررًا لعدم استكمال المقررات الدراسية، حتى بات بعض المعلمين يختصرون الدروس أو يحذفون وحدات كاملة، لينتقل الطالب إلى الصف التالي وهو يفتقد كثيرًا من أساسيات المعرفة.
ولم يعد مستغربًا أن نجد طلابًا في المرحلة الثانوية يعانون ضعفًا في القراءة والكتابة والإملاء والتعبير وفهم النصوص. كما أن المناهج الدراسية بحاجة إلى مراجعة جادة، لأن كثيرًا منها لا يراعي مستوى الطالب، ولا يساعده على الفهم أو التعلم الذاتي.
وتبقى إحدى القضايا التي تستحق المراجعة هي سياسة الانتقال الآلي في الصفوف الأولى، ((اولى، وثاني، وثالث)) إذ ينتقل بعض الطلاب من صف إلى آخر دون إتقان مهارات القراءة والكتابة، فتتراكم الفجوات التعليمية عامًا بعد عام حتى تصبح معالجتها أكثر صعوبة.
إن إصلاح التعليم لا يكون بإلغاء الامتحانات الوزارية، وإنما بإصلاح المنظومة التعليمية بأكملها: منهجًا، ومعلمًا، وبيئةً مدرسية، وإدارةً، ورقابةً، وسياساتٍ تعليمية. فعندما تصبح المنظومة قوية، لن يكون هناك خوف من أي امتحان، لأن الطالب سيكون قد حصل فعلًا على تعليم حقيقي.
فالتعليم لا يُصلح بتغيير طريقة التقييم فقط، بل ببناء منظومة تصنع طالبًا متعلمًا، ومعلمًا مُمكَّنًا، ووطنًا ينهض بالعلم لا بالشهادات وحدها.
/
/
/
/
/
/
فردوس العلمي =مجرد قلم