ليست الأزمات الاقتصادية، ولا انهيار الخدمات، ولا التضييق على الحريات أحداثًا منفصلة عن بعضها، بل حلقات في سلسلة واحدة تُنتج واقعًا سياسيًا مأزومًا، وتدفع الشعوب إلى التساؤل: إلى أين يُراد لهذا الوطن أن يمضي؟
في الجنوب، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فمع اتساع رقعة المعاناة، وارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأزمات المعيشية إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع السياسي، وإضعاف أي مشروع وطني يحظى بحضور شعبي. وعندما تترافق هذه الأزمات مع ملاحقة الأصوات المنتقدة، والتضييق على الصحفيين والناشطين، فإن القضية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمساحة الحرية وحق الناس في التعبير عن مواقفهم.
إن أي سلطة تراهن على إسكات الأصوات الحرة بدلًا من معالجة أسباب الغضب، إنما تؤجل الانفجار ولا تمنعه. فالتاريخ يثبت أن الشعوب قد تصبر طويلًا على ضيق العيش، لكنها لا تقبل أن تُسلب إرادتها أو يُصادر حقها في قول الحقيقة.
وإذا كانت هناك بالفعل محاولات لإعادة رسم المشهد الجنوبي عبر كيانات بديلة أو فرض معادلات سياسية لا تنبع من الإرادة الشعبية، فإن نجاحها لن يقاس بعدد البيانات أو القرارات، بل بقدرتها على اكتساب شرعية الناس. فالشرعية لا تُمنح من الخارج، ولا تُصنع في الغرف المغلقة، وإنما يقررها الشارع حين يشعر أن صوته ممثل، وأن قضيته تحظى بمن يدافع عنها بصدق.
اليوم، لا يحتاج الجنوب إلى مزيد من الاستقطاب بقدر ما يحتاج إلى احترام إرادة أبنائه، وإلى حلول حقيقية تعالج الانهيار الاقتصادي والخدمي، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتحفظ كرامة المواطن. أما سياسة الضغوط والإقصاء، فلن تنتج سوى مزيد من الانقسام، وستدفع بالمشهد نحو تعقيدات أكبر.
إن الدعوات إلى الحراك الشعبي السلمي تعكس، في جوهرها، قناعة بأن التعبير السلمي هو الوسيلة المشروعة لإيصال الرسائل السياسية. وكلما اتسعت مساحة الحرية، كان المجتمع أكثر قدرة على تجاوز أزماته بالحوار، لا بالقمع.
وفي النهاية، تبقى الأوطان أكبر من صراعات النفوذ، وأكبر من الحسابات الإقليمية، وأكبر من أي مشاريع تُفرض على الشعوب دون إرادتها. فالسلام الحقيقي يبدأ باحترام الإنسان، والاستقرار يبدأ بالعدالة، ولا مستقبل لأي وطن إذا كان ثمن بقائه هو إسكات أبنائه.
الصحفي صالح حقروص
2026/7/3م