أسباب تعثر مشاريع إصلاح التعليم وبناء الإنسان في العالم العربي

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب


ليس السؤال الحقيقي لماذا فشل التعليم العربي، بل لماذا فشلت الدولة العربية في بناء تعليم قادر على إنتاج المعرفة؟ قد يبدو السؤالان متشابهين، لكنهما مختلفان جذريا. فالأول يحصر الأزمة داخل أسوار المدرسة، بينما الثاني ينقلها إلى فضائها الحقيقي بنية الدولة، وطبيعة السلطة، وثقافة المجتمع، والنموذج الاقتصادي، والفلسفة التي تحكم العلاقة بين المعرفة والإنسان.


منذ أكثر من نصف قرن، لم تتوقف الحكومات العربية عن إعلان مشاريع إصلاح التعليم. تغيرت أسماء الوزارات، وتبدلت المناهج، وأدخلت الحواسيب والسبورات الذكية، وارتفعت أعداد الجامعات، وتضاعف عدد الخريجين. لكن النتيجة بقيت على حالها مدارس تنتج الحفظ أكثر مما تنتج الفهم، وجامعات تمنح الشهادات أكثر مما تنتج المعرفة، وأسواق عمل تستورد الخبرات الأجنبية رغم وجود ملايين الخريجين. و يبرز السؤال الأكثر إلحاحا هل كانت مشاريع الإصلاح تستهدف فعلا بناء إنسان جديد، أم أنها كانت تسعى فقط إلى تجميل نظام تعليمي فقد روحه؟


إن الخطأ الأكبر في التجربة العربية هو اختزال التعليم في المناهج. وكأن المشكلة كلها تكمن في كتاب يحتاج إلى تعديل، أو مادة دراسية ينبغي حذفها أو إضافتها. بينما الحقيقة أن المنهج ليس سوى انعكاس لفلسفة المجتمع والدولة. فلا يمكن لمنهج حديث أن ينجح داخل نظام سياسي يخشى حرية التفكير، ولا يمكن لمدرسة أن تعلم الإبداع في بيئة تعاقب المبادرة وتكافئ الطاعة.إن التعليم لا يعمل في فراغ، بل داخل منظومة كاملة. فإذا كانت هذه المنظومة تعاني من الاستبداد، والبيروقراطية، وضعف المؤسسات، وغياب المساءلة، فمن الطبيعي أن يعكس التعليم هذه الاختلالات. فالمدرسة ليست جزيرة معزولة، وإنما صورة مصغرة للدولة.ولهذا تبدو المدرسة العربية، في كثير من الأحيان، مؤسسة لإعادة إنتاج الواقع لا لتغييره. فهي تعلم الطالب كيف يحفظ، لكنها لا تعلمه كيف يفكر. تعلمه كيف يجيب، لكنها لا تعلمه كيف يسأل. تعلمه كيف ينجح في الامتحان، لكنها لا تعلمه كيف ينجح في الحياة.


فالعالم اليوم لم يعد يقيس تقدم الأمم بعدد الجامعات أو نسبة المتعلمين، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والابتكار. بينما لا يزال جزء كبير من التعليم العربي يقيس النجاح بنسبة النجاح في الامتحانات، وكأن التعليم ينتهي عند ورقة الإجابة.إن الثقافة التعليمية العربية ما زالت أسيرة نموذج يعود إلى القرن التاسع عشر، حين كان المطلوب إنتاج موظفين لإدارة جهاز الدولة. أما القرن الحادي والعشرون فيحتاج إلى باحثين ومبتكرين ورواد أعمال ومفكرين. غير أن المدرسة العربية ما زالت تخرج أجيالا تدربت على الطاعة أكثر من المبادرة، وعلى التلقي أكثر من النقد. ولا يمكن فصل ذلك عن طبيعة الدولة العربية الحديثة، التي نشأت في أغلبها باعتبارها دولة مركزية تحتكر القرار والمعرفة معا. فكما تتركز السلطة السياسية في القمة، تتركز السلطة التعليمية أيضا. الوزارة تقرر، والمدرسة تنفذ، والمعلم يلتزم، والطالب يتلقى. وفي هذه السلسلة الطويلة يختفي الحوار، ويختفي التفكير، وتختفي الحرية.


إن أخطر ما في هذه المنظومة أنها لا تخشى الجهل بقدر ما تخشى العقل النقدي. فالمواطن الذي يحفظ أسهل في الإدارة من المواطن الذي يسأل، والطالب الذي يكرر النصوص أقل إزعاجا من الطالب الذي يناقشها. ولهذا يصبح التعليم، من حيث لا يشعر كثيرون، أداة للحفاظ على البنية القائمة، لا وسيلة لتغييرها. يمكن فهم سبب تعثر معظم مشاريع الإصلاح. فهي تحاول تحديث الأدوات، لكنها لا تمس الفلسفة التي تقوم عليها المنظومة. تغير شكل الكتاب، لكنها لا تغير طريقة التفكير. تدخل التكنولوجيا إلى الصف، لكنها تبقي العقل خارج عملية التعلم.ولعل أوضح مثال على ذلك هو الهوس بالتحول الرقمي. فقد أنفقت بعض الدول العربية مليارات الدولارات على الأجهزة والمنصات الإلكترونية، لكنها لم تستثمر بالقدر نفسه في إعداد المعلم، أو تطوير التفكير النقدي، أو إصلاح فلسفة التعليم. فتحولت التكنولوجيا إلى وسيلة حديثة لإعادة إنتاج التعليم التقليدي، بدلا من أن تكون أداة لتغييره.ولا تقل الجامعة العربية أزمة عن المدرسة. فهي في كثير من الأحيان تعيش عزلة عن المجتمع، فلا الصناعة تستفيد من أبحاثها، ولا السياسات العامة تبنى على دراساتها، ولا الاقتصاد يعتمد على مخرجاتها. وتحول البحث العلمي، في حالات كثيرة، إلى وسيلة للترقية الأكاديمية أكثر منه أداة لإنتاج حلول حقيقية لمشكلات المجتمع.إن الجامعة التي لا تنتج معرفة، ولا تؤثر في القرار، ولا تقود التنمية، تتحول تدريجيا إلى مؤسسة تمنح شهادات، لا مؤسسة تصنع المستقبل.


كما أن الحديث عن إصلاح التعليم يظل ناقصا إذا تجاهل مكانة المعلم. فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو المهندس الأول للعقل الإنساني. وحين تضعف مكانته المادية والاجتماعية، فإن المجتمع كله يدفع الثمن. فلا يمكن لدولة أن تطالب معلميها بصناعة المستقبل، بينما تعاملهم باعتبارهم الحلقة الأضعف في منظومة التنمية.ثم تأتي المشكلة الثقافية، وهي ربما الأكثر تعقيدا. فما زالت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية تنظر إلى التعليم باعتباره طريقا إلى الوظيفة، لا طريقا إلى المعرفة. ولذلك أصبحت الشهادة هدفا في حد ذاتها، لا وسيلة لبناء الكفاءة. وانتقل الاهتمام من السؤال: ماذا تعلم الطالب؟ إلى سؤال آخر أكثر بساطة: ماذا يحمل من شهادة؟لقد أنتج هذا الواقع تضخما في عدد الخريجين، لكنه لم ينتج مجتمعات معرفية. فليس كل متعلم مثقفا، وليس كل خريج قادرا على الإبداع، لأن المعرفة ليست كمية من المعلومات، بل قدرة على الفهم والتحليل والنقد والإنتاج.


إن إصلاح التعليم يبدأ حين تعترف الدولة بأن المعرفة ليست خطرا، بل مصدر قوة. ويبدأ حين تصبح المدرسة فضاء للحوار، لا للتلقين، والجامعة مركزا للبحث، لا لمراكمة الشهادات، والمعلم قائدا فكريا، لا موظفا إداريا، والطالب شريكا في إنتاج المعرفة، لا مستهلكا لها.إن أزمة التعليم العربي ليست أزمة وزارة، ولا أزمة ميزانية، ولا أزمة منهج، بل هي أزمة مشروع حضاري بأكمله. ولهذا فإن إصلاح التعليم لن يتحقق بقرار إداري، بل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والعقل، وبين السلطة والمعرفة، وبين المجتمع والإنسان.فحين تؤمن الدولة بأن مستقبلها يبدأ من الفصل الدراسي أكثر مما يبدأ من القصر الرئاسي، وعندما يصبح الاستثمار في العقل أهم من الاستثمار في أدوات السيطرة، عندها فقط يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي.أما قبل ذلك، فستظل المؤتمرات تعقد، والخطط تعلن، والمناهج تتغير، بينما يبقى السؤال معلقا: كيف نصلح تعليما لم تحسم الدولة بعد ماذا تريد من الإنسان الذي يتخرج فيه؟.


#زكريا_نمر