حين يدير أبناء المدينة مدينتهم

قبل ساعة


أحمد ناصر حميدان
بقلم: أحمد ناصر حميدان
ارشيف الكاتب

إذا صح خبر تعيين العميد عدنان القلعة مديراً لمديرية المعلا، فإن القضية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مجرد تعيين لشخص في منصب إداري، بل بوصفها فرصة لإعادة الاعتبار لمبدأ طالما غاب عن الإدارة المحلية في عدن، وهو أن تكون الأولوية في إدارة المديريات لمن يعرفها ويعيش تفاصيلها ويحمل همومها.

ففي كل دول العالم الناجحة، تُعد المعرفة بالمجتمع المحلي عنصراً أساسياً في نجاح المسؤول، لأن الإدارة ليست مجرد توقيع قرارات، بل فهم للعلاقات الاجتماعية، وإدراك لأولويات السكان، وقدرة على بناء الثقة بينهم وبين مؤسسات الدولة.

المعلا ليست مجرد حدود إدارية، بل مدينة لها تاريخها وهويتها وخصوصيتها الاجتماعية والثقافية. ومن نشأ فيها يعرف أحياءها، ومشكلاتها، ورموزها الاجتماعية، ويستطيع التواصل مع أهلها بلغة الثقة قبل لغة السلطة. وهذه ميزة لا تُكتسب بسهولة مهما بلغت خبرة المسؤول القادم من خارجها.

لقد دفعت عدن ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية نتيجة تغليب معايير الولاء والانتماء السياسي أو النفوذ على معايير الكفاءة والمعرفة بالمدينة. فكثير من التعيينات جاءت استجابة لموازين القوى، لا لحاجة المجتمع، فتحولت بعض المديريات إلى ساحات لإدارة النفوذ بدلاً من أن تكون مؤسسات لخدمة المواطنين.

إن المطلوب اليوم هو إنهاء مرحلة التعيينات القائمة على المحاصصة والولاءات، والانتقال إلى مرحلة يكون فيها معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والخبرة والمعرفة الحقيقية بالمديرية. فليس المهم أن يكون المسؤول محسوباً على هذا الطرف أو ذاك، وإنما أن يكون قادراً على خدمة الناس وصون القانون وتحقيق التنمية.

كما أن إنهاء سياسة استقدام مسؤولين من خارج المديريات سيسهم في تعزيز الثقة بين المجتمع والسلطة المحلية، ويمنع تكريس الانقسامات التي حاولت خلال السنوات الماضية إعادة تشكيل عدن على أسس لا تتوافق وطبيعة المدينة تاريخياً بأنها نموذج للتنوع والتعايش والانفتاح، ولم تكن يوماً مدينة تُدار بعقلية الغلبة أو الإقصاء.

بنيت مكانة عدن كمدينة احتضنت الجميع تحت مظلة المواطنة. ولذلك فإن الحفاظ على هويتها المدنية يبدأ بإدارة تحترم خصوصية كل مديرية، وتختار الأكفأ من أبنائها دون تمييز أو ولاءات ضيقة، مع بقاء معيار الكفاءة فوق كل اعتبار.

وإذا كان العميد عدنان القلعة قد نال هذه الثقة، فإن الأمنيات له بالتوفيق لا تنطلق من شخصه فقط، بل من الأمل بأن يكون هذا التعيين بداية لتصحيح فلسفة الإدارة المحلية في عدن؛ فلسفة تقوم على خدمة المجتمع، واحترام هوية المدينة، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بعيداً عن الحسابات السياسية ومراكز النفوذ.

ونأمل أن يتطور الحال لانتخابات تحسم امر التعيين