حتى لا ننسى..الشهيد القائد علي جرجور..

قبل ساعة


رائد الجحافي
بقلم: رائد الجحافي
ارشيف الكاتب

ليست البطولة أن يحمل المرء سلاحه حين يعلو صخب المعركة فحسب، لكن البطولة الحقة أن يجعل من عمره كله موقفاً، ومن جميع أيامه عهداً لا ينقض، ومن دمه آخر ما يقدمه لوطن آمن بأن كرامته أغلى من الحياة نفسها..


هكذا كان الشهيد القائد علي محسن عبدالله، المعروف بـ علي جرجور..


ولد في القرضي جحاف بمحافظة الضالع عام 1980، فشب وفي قلبه جذوة لا تنطفئ، وإيمان لا يتزعزع بأن الأوطان لا يحرسها إلا الرجال الذين يسبقون الخطر إلى ميادينه، ويستقبلون الموت بوجوه باسمة إذا كان في الموت حياة لأمتهم. كان زوجاً وأباً لسبعة أطفال، لكن قلبه كان يتسع لوطن بأكمله، يحمل همومه كما يحمل الأب هموم أبنائه، ويذود عنه كما يذود الحر عن شرفه..


منذ أن أنهى دراسته الثانوية، لم يغره هدوء الحياة، ولم يستسلم لإغراء السلامة، بل مضى إلى دروب النضال، منخرطاً في صفوف حركة "حتم"، ملازماً رجالها، مؤمناً بأن الحرية لا تستعار من الآخرين، وإنما تنتزع انتزاعاً بإرادة لا تعرف الانكسار. ثم كان من أوائل شباب الحراك الجنوبي في الضالع، يحمل القضية في قلبه قبل أن يحملها على لسانه، ويجعل من الفعل ترجماناً لكل شعار..


وفي العام 2015م حين أقبلت جحافل الحرب، وانقضت قوى العدوان على الجنوب، لم ينتظر تكليفاً، لأن الرجال من طينته لا ينتظرون الأوامر حين يناديهم الواجب. جمع الشباب بجهده وإيمانه، وشكل منهم قوة مقاتلة صنعت من ميادين العرشي والضالع صفحات من المجد. ثم تولى قيادة جبهة لكمة صلاح، فكان السيف الذي لا ينثني، والراية التي لا تسقط، يتقدم الصفوف بنفسه، ويقتحم مواقع العدو مرة بعد أخرى، كأنما كان يؤمن أن القائد لا يحق له أن يطلب من رجاله ما لا يسبقهم إليه..


وحين وضعت الحرب أوزارها، لم يظن أن رسالته قد انتهت، لأن بناء الأوطان أصعب من تحريرها. فسخر جهده لإرساء الأمن في الضالع، وشكل فرقاً لحماية الطرق والأسواق، وسعى إلى رأب الصدع وإصلاح ذات البين، حتى غدت بصماته حاضرة في كل خطوة نحو الاستقرار. ثم انتقل إلى العاصمة عدن، حيث واصل أداء واجبه في اللواء الأول جبل حديد، وتحمّل مسؤولية أحد قطاعاته العسكرية، مشاركاً في ملاحقة فلول الإرهــ.ـاب والدفاع عن أمن المدينة واستقرارها..


ثم جاء الموعد الذي لا يخطئه الأوفياء...


في مطلع شهر نوفمبر تحديدا صباح يوم 5 نوفمبر 2018م، دوى الانفــ.ـجار، فكان علي جرجور أول من لبى نداء الواجب، وأسرع إلى حيث كان الرصاص يتطاير والمــ.ـوت يتربص. لم يبحث عن نجاة، ولم يلتفت إلى خـــوف، بل اندفع ليقف إلى جانب رجال الأمن في مواجهة العناصر الإرهـــ.ـابية التي اقتحمت إدارة البحث الجنائي في عدن. هناك، في قلب المواجهة، ختم حياته كما عاشها, مقبلاً غير مدبر، ثابتاً غير متراجع، حتى ارتقت روحه إلى بارئها، وبقي اسمه مرفوعاً في سجل الخالدين..


إن الرجال قد يموتون، لكن القيم التي عاشوا من أجلها لا تموت، والشهداء لا يغيبون عن أوطانهم، لأنهم يتحولون إلى ذاكرة حية، وإلى ضمير لا يشيخ، وإلى منارات تهدي الأجيال كلما ادلهمت الخطوب. أما الأجساد فتوارى في التراب، وأما المواقف فتبقى شاهدة على أن في هذه الأرض رجالاً إذا عاهدوا الله والوطن صدقوا، وإذا دعوا إلى التضحية لبّوا، وإذا حضر المــ.ـوت استقبلوه بثبات المؤمنين وعزة الأحرار..


رحم الله الشهيد القائد علي جرجور، رحمة تليق بصدق عطائه وعظمة تضحياته، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجعل ذكراه نبراساً للأجيال، وشاهداً على أن الأوطان العظيمة لا يصنع مجدها إلا الرجال العظام..


.. رائد الجحافي