في الوقت الذي ترزح فيه البلاد تحت وطأة الحرب والانهيار الاقتصادي، وتواصل ميليشيات الحوثي إحكام قبضتها على صنعاء، وتعزز آلة القمع ، يبدو أن معركة جديدة تتصدر المشهد؛ لكنها ليست معركة على الأرض، بل معركة تُدار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أبطالها هذه المرة نساء، حتى بات البعض يصفها بـ”حرب النواعم”.
بدأت القصة مع قضية “ميرا”، المرأة التي تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بينما يؤكد الحوثيون أنها سمية الزبيري، ويذهب آخرون إلى نفي الروايتين معا.
غير أن القضية تجاوزت سريعا حدود الجدل حول الهوية، لتتحول إلى ملف سياسي واجتماعي وقبلي، مع حديث عن احتمالات تصعيد قد يمتد إلى مواجهات مسلحة بين قبائل وميليشيات الحوثي.
وفي الجهة الأخرى، اشتعلت منصات التواصل بقضية تعيين نساء ( أو إشاعات تعيين نساء)،
عُرف عن بعضهن مواقف مؤيدة للحوثيين في مواقع حساسة داخل مؤسسات الشرعية كما يقال، وتوالت الاتهامات والانتقادات، في حملة بدت، بوضوح ، أنها تستهدف ما تبقى من صورة الشرعية أكثر مما تستهدف معالجة الخلل ذاته.
وجاء ذلك كله في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد المواجهة مع الحوثيين، واستمرار الحديث عن الدعم الإيراني للميليشيات، بما يثير تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من تحويل اهتمام الرأي العام بعيدا عن القضايا المصيرية.
وتغذي هذا الجدل صورٌ للقاءات مع مسؤولين في الشرعية، وزيارات بعضهن إلى الرياض، وأحاديث عن دعم لبعض الشخصيات ومنظمات المجتمع المدني.
فهناك من يرى أن الشرعية والتحالف العربي يتبنيان سياسة احتواء لكل من يعلن انشقاقه عن الحوثيين، أملاً في توسيع دائرة المعارضين لهم.
بينما يرى آخرون أن ذلك يكشف غياب معايير واضحة، ويفتح الباب أمام اختراقات قد تتحول إلى “حصان طروادة” داخل مؤسسات الدولة.
في المقابل، تؤكد الشخصيات المستهدفة أنها قطعت صلتها بالحوثيين، وأن ما تتعرض له ليس سوى حملات تشويه وتصفية حسابات، وأن ماضيها لا ينبغي أن يكون حكماً أبدياً على حاضرها.
لكن، وسط هذا السجال، يغيب السؤال الأهم: ماذا عن اليمنيين؟
ماذا عن المواطن الذي أنهكته الحرب، والجوع، وانهيار الخدمات، وانقطاع الرواتب؟ ماذا عن صنعاء التي تعيش تحت سلطة القمع، وعدن التي تكافح أزمات الخدمات، وتعز وبقية المدن التي تبحث عن الحد الأدنى من الحياة؟
لقد أصبحت المعارك الافتراضية تستهلك من الوقت والاهتمام أكثر مما تستهلكه معركة استعادة الدولة نفسها.
وبينما ينشغل الجميع بصراعات الأشخاص والصور والتعيينات، تتراجع القضايا الكبرى إلى الخلف، وكأن الوطن لم يعد هو القضية الأولى.
الخطر الحقيقي ليس في وجود “حرب نواعم”، بل في أن تتحول إلى غطاء يبدد الاهتمام عن المعركة الأساسية، معركة استعادة الدولة، وإنقاذ المواطن، وبناء مشروع وطني قادر على مواجهة الانقلاب، لا الغرق في معارك جانبية لا تنتهي.
ويبقى السؤال مفتوحا، هل يملك اليمن ترف الانشغال بهذه الصراعات، فيما يتآكل ما تبقى من الدولة والوطن يوما بعد آخر؟