حين نفشل في إدارة التنوع... نخسر الدولة

قبل ساعة


أحمد ناصر حميدان
بقلم: أحمد ناصر حميدان
ارشيف الكاتب

حققنا الاستقلال، لكننا فشلنا في بناء دولة تستوعب جميع الأعراق والثقافات والانتماءات والأفكار، وتدير هذا التنوع بوصفه مصدر قوة يثري دولة المواطنة والعدالة والحريات. وبدلاً من ذلك، أسسنا دولة أيديولوجية لا تعترف بالآخر، وتعتبر كل مخالف لها قوة مضادة، فلم نحصد سوى المزيد من الصراعات والانقسامات.

إن كثيراً من التحولات التي عشناها كانت انعكاساً لتطرف الفكر الأيديولوجي، حتى وصلنا إلى التعصب المناطقي والقبلي، وهي نتيجة طبيعية لفشلنا في إدارة الاختلاف، وحرمان المجتمع من فضاء حر للحوار والعصف الفكري والسياسي الذي كان يمكن أن ينتج ثقافة قبول الآخر، والتنافس الشريف، والتداول السلمي للسلطة.

ثم ذهبنا إلى الوحدة، لكننا فشلنا أيضاً في إدارتها. ولم يتمكن حاملو مشروعها من حمايتها من القوى التقليدية المتخلفة التي استطاعت أن تكسر إرادة الوحدويين الحقيقيين، وتحول كثيراً منهم إلى دعاة انقسام ومناطقية، يحملون الكراهية لكل ما كانوا يدافعون عنه بالأمس. سقطت المبادئ، وتراجعت القيم، وانهارت أخلاقيات العمل السياسي، فسقط معها كل ما تربينا عليه من أحلام وطنية.

وعندما برز مشروع الانفصال، لم يكن هو الآخر بمستوى بناء دولة حديثة تقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون والحريات، بل غذّى خطاب الكراهية، وغرس في نفوس الأجيال مشاعر العداء والانقسام، وأنتج ثقافة عنف تهدد كل مقومات الدولة المدنية.

واليوم، وبعد أن أضعنا المستقبل، أصبح كثيرون يبكون على الماضي. فمنهم من يحن إلى الإمامة، ومنهم من يتطلع إلى عودة السلطنات، وآخرون يستحضرون السلالات والأسر العريقة، أو يتحدثون بمنطق الأصول والأعراق. وهكذا عدنا نستعرض الألقاب والأنساب، بدل أن نتنافس بالعلم والفكر والكفاءة والإبداع.

لقد أصبحت أفكار الماضي تقيد حاضرنا، وأصبح الإنسان يُقاس بما ورثه لا بما يقدمه لوطنه من علم وثقافة ومهنية وأخلاق. وانشغلنا بنبش التاريخ بكل صراعاته وأمراضه، حتى تحولنا إلى أسرى له، بينما المستقبل يبتعد عنا يوماً بعد آخر.

إن بناء الدولة لا يبدأ من تمجيد الماضي، بل من الإيمان بالمواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وإدارة الاختلاف بالحوار، وترسيخ العدالة وسيادة القانون. فهذه وحدها هي الأسس التي تصنع مستقبلًا يستحقه الجميع.

احمد حميدان