من عدن إلى صنعاء ومن مسقط إلى الرياض، تكشف التطورات المتسارعة ف
ي الملف اليمني أن البلاد تدخل مرحلة تتجاوز حدود الأحداث اليومية إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري والدبلوماسي بصورة أكثر تعقيداً.
طفالحراك الذي يمتد من عدن إلى صنعاء، مروراً بمسقط والرياض، لا يبدو سلسلة من الوقائع المنفصلة، بل يمثل مساراً مترابطاً تعيد من خلاله الأراف المحلية والإقليمية والدولية ترتيب مواقعها استعداداً لمرحلة جديدة قد تفضي إلى تسوية سياسية، أو تدفع نحو جولة جديدة من التصعيد.
وفي الجنوب، تتواصل التحركات السياسية والشعبية والعسكرية في إطار صراع النفوذ بين القوى المحلية والحكومة الشرعية، وسط تباين في الرؤى مع بعض أطراف التحالف.
ح
وتستهدف هذه التحركات تثبيت الحضور السياسي للقوى الجنوبية استعداداً لأي مفاوضات قادمة، من خلال إظهار الوزن الشعبي، وتعزيز النفوذ في المحافظات ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية، وفي مقدمتها حضرموت، إلى جانب السعي لإبقاء القضية الجنوبية حاضرة في دوائر الاهتمام الدولي.
وتعكس هذه التركات مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها استمرار التنافس بين الأجندات المختلفة داخل معسكر القوى المناهضة للحوثيين، إضافة إلى وجود تباينات داخل بعض المكونات الجنوبية بشأن شكل التسوية ومستقبل القضية الجنوبية.
كما تتداخل هذه الحسابات مع التوازنات الإقليمية الأوسع، في ظل استمرار تأثير الصراع بين الحكومة والحوثيين على مواقف القوى الإقليمية.
ا
وفي موازاة ذلك، عاد ملف مطار صنعاء إلى واجهة المشهد السياسي بعد تصريحات رئيس الحكومة اليمنية، الذي أكد أن الحكومة، بالتنسيق مع التحالف، قدمت منذ أكثر من عام مبادرة لإعادة تشغيل الرحلات عبر المطار، تضمنت السماح باستئناف رحلات الخطوط الجوية اليمنية إلى الأردن وغيرها من الوجهات، مقابل عدم تدخل الحوثيين في إدارة الشركة أو إيراداتها، والإفرج عن الأموال المحتجزة لديها لتمكينها من شراء أو استئجار طائرات جديدة.
وبحسب الرواية الحكومية، فإن الحوثيين رفضوا هذه المبادرة واستمروا في السيطرة على الشركة والتدخل في إدارتها، وهو ما تعتبره الحكومة سبباً رئيسياً في تعثر إعادة تشغيل المطار، مؤكدة أن ما تطرحه الجماعة بشأن وجود منع حكومي للرحلات لا يعكس حقيقة المبادرات التي طُرحت خلال الفترة الماضية.
ل
كما ربطت الحكومة هذا الملف بسياق أوسع من جهود الوساطة السياسية، مشيرة إلى أنها منحت مساحة واسعة للمساعي السعودية والعُمانية التي استمرت لأكثر من عام ونصف، وأسفرت عن إعداد خارطة طريق للحل السياسي، قبل أن تتعثر لاحقاً نتيجة الخلافات بين الأطراف.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير النقل اليمني عن توجه حكومي لفتح المجال أمام شركات الطيران العربية والإقليمية و
ادولية للعمل عبر المطارات الواقعة في مناطق سيطرة الحكومة، بهدف تخفيف الضغط على الخطوط الجوية اليمنية وتوسيع خيارات السفر للمواطنين.
غير أنه أشار في الوقت ذاته إلى استمرار تحفظ شركات الطيران الأجنبية بسبب المخاوف الأمنية، وعدم وجود إعلان رسمي حتى الآن بشأن استئناف الرحلات عبر مطار صنعاء.
ويزداد هذا الملف تعقيداً مع الجدل الذي أثاره وصول طائرة إيرانية إلى مطار صنعاء للمرة الأولى منذ سنوات، حيث اعتبرت الحكومة هذه الخطوة انتهاكاً للسيادة اليمنية، بينما ينظر إليها الحوثيون باعتبارها جزءاً من جهود كسر ما يصفونه بالحصار.
ا
ويعكس هذا التباين كيف تحولت المطارات من منشآت خدمية وإنسانية إلى أدوات سياسية وأمنية تستخدم ضمن معادلات الصراع. وفي الإطار الداخلي، حملت اجتماعات مجلس القيادة الرئاسي رسائل متعددة، تمثلت في التأكيد على استمرار برنامج الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، وتعزيز الإيرادات وتحسين أداء مؤسسات الدولة، إلى جانب التشديد على تطوير القدرات الأمنية والاستخباراتية لمواجهة ما تصفه الحكومة بالتهديدات الحوثية، مع مواصلة تثبيت روايتها أمام المجتمع الدولي بأن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل ترتبط أيضاً بتدخلات خارجية تؤثر في س
يدة الدولة واستقرارها.
وفي المقابل، تبدو المملكة العربية السعودية حريصة على الحفاظ على تماسك معسكر الشرعية، ومنع أي خطوات قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل القوى المناهضة للحوثيين، إدراكاً منها أن استمرار الخلافات الداخلية يمنح الجماعة مساحة أكبر للمناورة السياسية والعسكرية.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة وزير الخارجية السعودي إلى سلطنة عُمان أهمية خاصة، ليس فقط لتوقيتها الذي تزامن مع تصاعد الجدل حول مطار صنعاء والتهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، وإنما أيضاً لما تعكسه من استمرار الرهان على المسار الدبلوماسي.
نات الإقليمية، مع الحفاظ على خيار الحوار عبر الوساطة العُمانية، في محاولة لمنع انهيار فرص التسوية.
وفي المحصلة، لا تبدو التطورات الراهنة مجرد أحداث متفرقة، بل تعكس مرحلة دقيقة يفسلطنة عُمان ما زالت تؤدي دور قناة الاتصال الرئيسية بين الأطراف، فيما تسعى الرياض إلى احتواء التوتر ومنع انتقاله إلى مواجهة أوسع قد تهدد أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة.
وعند جمع هذه التطورات في إطار واحد، يتضح أن جميع الأطراف تعمل على إعادة التموضع استعداداً لمرحلة جديدة. فالحكومة تسعى إلى تعزيز شرعيتها عبر الإصلاحات وإعادة تنظيم القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع النقل الجوي، بينما يحاول الحوثيون ترسيخ نفوذهم من خلال السيطرة على الملفات المرتبطة بالمطارات والموانئ والملاحة.
أما السعودية فتواصل إدارة التوا
زعاد خلالها رسم موازين القوى في اليمن.
وبين جهود الاحتواء الدبلوماسي التي تقودها الرياض ومسقط، واحتمالات التصعيد التي تفرضها تعقيدات الميدان وتضارب الحسابات السياسية، ستظل ملفات المطارات والموانئ، وأمن البحر الأحمر، والعلاقات بين القوى المحلية والإقليمية، هي العوامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة.
فهذه الملفات لم تعد قضايا خدمية أو أمنية منفصلة، بل أصبحت أوراقاً تفاوضية رئيسية سترسم اتجاه الأحداث، سواء نحو تسوية سياسية أكثر استقراراً، أو نحو دورة جديدة من التصعيد قد تعيد خلط الأوراق في المشهد اليمني.
محمد خالد الحسيني