ضرورة تحديث وتطوير القوانين اليمنية لمواكبة الواقع المعاصر وتحقيق العدالة

قبل ساعة


المحامية.فاطمة علي إبراهيم نور
بقلم: المحامية.فاطمة علي إبراهيم نور
ارشيف الكاتب

تُعد القوانين الإطار الذي ينظم حياة الأفراد ويضمن تحقيق العدالة بين مختلف أطراف المجتمع، إلا أن هذا الإطار لا يمكن أن يظل ثابتًا في مواجهة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية المتسارعة. وفي اليمن، ومع تعاقب الظروف السياسية وتغير الواقع الاجتماعي، بات من الضروري إعادة النظر في العديد من النصوص القانونية التي لم تعد تتناسب مع متطلبات الحاضر، أو التي أفرزت ثغرات قانونية أثرت على تحقيق العدالة بالشكل المطلوب.

من أبرز الإشكالات التي تبرز اليوم وجود بعض النصوص في مختلف القوانين—سواء في القانون المدني أو التجاري أو الإداري أو قانون الأحوال الشخصية أو القانون الجنائي أو الإجراءات الجزائية—التي لم تعد تحقق التوازن المطلوب بين أطراف النزاع. بل إن بعض هذه النصوص أصبحت تُستغل أحيانًا بسبب وجود ثغرات قانونية، مما يؤدي إلى استخدامها بشكل غير عادل من أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر، وهو ما يخلّ بروح العدالة التي وُجد القانون من أجلها.

وفي سياق قضايا الأحوال الشخصية بشكل خاص، تظهر بعض الإشكالات المتعلقة بسوء استخدام أو تفسير بعض المواد القانونية بطريقة قد تؤدي إلى الإضرار بأحد الأطراف، سواء كان الأب أو الأم. وبالتالي فإن المشكلة لا تكمن في طرف بعينه، وإنما في وجود قصور تشريعي يسمح أحيانًا بتحويل النص القانوني من أداة إنصاف إلى وسيلة نزاع أو ضغط، وهو ما يستوجب مراجعة دقيقة لهذه المواد بما يحقق العدالة ويحفظ الحقوق لجميع الأطراف دون استثناء.

كما أن بعض الجرائم في القوانين الحالية لا تتناسب عقوباتها مع حجم التطور الحاصل في طبيعة الجريمة وخطورتها، خصوصًا في ظل ظهور أنماط جديدة من الجرائم أو ازدياد أثر الجرائم التقليدية. إن ضعف الردع في بعض النصوص يؤدي إلى تكرار المخالفات، ويحد من قدرة القانون على أداء وظيفته الأساسية في حماية المجتمع، مما يجعل إعادة النظر في العقوبات وتحديثها بما يتناسب مع الواقع المعاصر ضرورة ملحة.

ومن جهة أخرى، فإن الوضع التشريعي الحالي يواجه تحديات معروفة، من بينها غياب مؤسسة تشريعية فاعلة في الوقت الراهن، مما يجعل عملية تعديل القوانين أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، فإن الحاجة الملحة لحماية مصالح المجتمع تفرض ضرورة التعامل مع القضايا الجوهرية وفق الأطر الدستورية المتاحة بما لا يؤدي إلى تعطيل الحقوق أو إبقاء القوانين في حالة جمود طويل.

إن هناك حاجة حقيقية إلى مراجعة النصوص القانونية التي لم تعد تواكب الواقع، وإعادة تقييمها بما يضمن تحقيق العدالة، سواء في القانون التجاري أو الإداري أو الجنائي أو الأحوال الشخصية أو حتى في قانون الإجراءات. فالممارسة العملية تكشف بشكل واضح مكامن القصور، وهو ما يجعل مساهمة القضاة والمحامين عنصرًا أساسيًا في أي عملية تطوير قانوني مستقبلية، باعتبارهم الأقرب إلى الواقع التطبيقي للنصوص القانونية.

كما أن القضاء يُعد سلطة قوية ومستقلة، وهو السلطة الثالثة في الدولة، وتكمن أهميته في كونه المؤسس الفعلي للعدالة داخل المجتمع. فالقضاة هم من يحكمون بالعدل وفقًا للنصوص القانونية والوقائع المعروضة أمامهم، بينما يُعد المحامون عونًا أساسيًا للقضاء، حيث يعملون على الدفاع عن حقوق الأفراد وحمايتها، وتقديم الحجج القانونية المستندة إلى النصوص والوقائع. وبذلك يعتمد القضاة في إصدار أحكامهم على ما يُعرض أمامهم من ملفات ومستندات، مستندين إلى نصوص القانون لضمان تحقيق العدالة وصون حقوق المتقاضين.

إن تطوير المنظومة القانونية لا يجب أن يظل مطلبًا نظريًا، بل ضرورة عملية تفرضها طبيعة التغيرات المتسارعة في المجتمع. فالقانون ليس نصوصًا جامدة، بل منظومة حية يجب أن تتجدد باستمرار لضمان العدالة والاستقرار.

بقلم المحامية فاطمة إبراهيم علي نور