بقلم الصحفي صالح حقروص
لم يعد السؤال اليوم: هل توجد خلافات بين السعودية والولايات المتحدة؟ بل أصبح السؤال الأهم: إلى أي مدى تغيّرت طبيعة التحالف الذي جمع الرياض وواشنطن لعقود؟
فالموقف الأمريكي من أي مواجهة سعودية محتملة مع الحوثيين يقدم مؤشرًا مهمًا على أن قواعد اللعبة لم تعد كما كانت. واشنطن تبدو مستعدة لمنح السعودية الدعم السياسي والغطاء الدبلوماسي، لكنها في المقابل لا تبدو راغبة في الذهاب معها إلى آخر الطريق، أي المشاركة المباشرة في حرب جديدة.
وهنا تحديدًا تكمن دلالة الموقف الأمريكي.
السعودية تريد من الولايات المتحدة أن تكون شريكًا في المعركة، بينما تبدو الرسالة الأمريكية أقرب إلى القول: نحن ندعمك، لكننا لن نحارب حربك.
حليف استراتيجي.. أم شراكة تتغير؟
على مدى عقود، قامت العلاقة السعودية الأمريكية على معادلة واضحة: النفط والأمن في مقابل الشراكة الاستراتيجية والسياسية والعسكرية.
لكن هذه المعادلة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات صعبة، من الحرب في اليمن إلى الملف الإيراني، وصولًا إلى أمن الخليج والتحولات الكبرى في المنطقة.
ولذلك، فإن رفض واشنطن المشاركة المباشرة في حرب جديدة ضد الحوثيين يمكن قراءته باعتباره انعكاسًا لتحول أوسع في السياسة الأمريكية: الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتحمل تكلفة كل حرب تخوضها حليفتها السعودية.
وقد تكون واشنطن قد وصلت إلى قناعة بأن الدخول المباشر في حرب جديدة داخل اليمن لن يكون قرارًا سهلًا، خصوصًا بعد سنوات من الحرب التي أثبتت أن الحسم العسكري في اليمن ليس مسألة بسيطة.
الحوثي.. ورقة في لعبة أكبر؟
من أكثر القضايا إثارة للجدل الاعتقاد السائد لدى بعض الأوساط السياسية بأن جماعة الحوثيين ليست مجرد طرف يمني في الصراع، وإنما أصبحت جزءًا من لعبة إقليمية ودولية أكبر.
ويذهب هذا الرأي إلى أن وجود الحوثيين، بما يمثلونه من تهديد للملاحة في البحر الأحمر وللأمن الإقليمي، أصبح ورقة تستخدمها أطراف متعددة لتحقيق أهداف استراتيجية.
لكن السؤال هنا ليس فقط: من صنع الحوثيين؟
بل السؤال الأكثر أهمية: من يستفيد من استمرار وجودهم كقوة مسلحة مؤثرة؟
فالحروب الطويلة لا تستمر دائمًا بسبب عجز الأطراف عن إنهائها، وإنما أحيانًا لأن استمرارها يخدم حسابات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البلد الذي تجري فيه الحرب.
إيران.. العقدة التي تجمع كل الملفات
لا يمكن قراءة الموقف الأمريكي السعودي تجاه الحوثيين بعيدًا عن إيران.
فطهران تمثل بالنسبة إلى واشنطن والرياض تحديًا استراتيجيًا مختلفًا، بينما يمثل الحوثيون إحدى أهم الأوراق المرتبطة بهذا الصراع.
ومن هنا، فإن أي تصعيد ضد الحوثيين قد يتحول بسرعة من حرب يمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وربما لهذا السبب تحديدًا تتردد واشنطن في الانخراط المباشر.
فالولايات المتحدة تعرف أن ضرب الحوثيين لن ينهي بالضرورة المشكلة، وقد يؤدي بدلًا من ذلك إلى توسيع دائرة المواجهة لتشمل إيران والعراق والبحر الأحمر والخليج، وربما يدفع المنطقة كلها نحو حرب مفتوحة.
الرياض تبحث عن بدائل
في المقابل، يبدو أن السعودية نفسها بدأت تتعامل مع العالم بطريقة مختلفة.
فالرياض لم تعد تريد وضع كل أوراقها في سلة واحدة، ولذلك وسعت علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية متعددة، من الصين وروسيا إلى باكستان وتركيا.
وهذا لا يعني بالضرورة أن السعودية تريد الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنه يعني شيئًا أكثر واقعية: الرياض تريد أن يكون لديها أكثر من خيار.
فالدول لا تبني استراتيجياتها الأمنية على الثقة وحدها، وإنما على البدائل.
وإذا كانت واشنطن تقول للرياض: لن نحارب نيابة عنك، فإن الرياض تقول بدورها: لن أعتمد عليك وحدك.
وهنا تبدأ ملامح التحول الحقيقي.
«هذه حربك.. فقاتليها»
يمكن اختصار جوهر الخلاف في جملة واحدة:
السعودية تريد شريكًا في الحرب، وأمريكا تريد أن تكون شريكًا في السياسة فقط.
وهذا الفارق يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه يحمل تداعيات استراتيجية كبيرة.
فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الدعم السياسي والاستخباراتي والعسكري غير المباشر، لكنها ترفض إرسال قواتها أو الدخول في مواجهة مباشرة، فإن ذلك يعني أن الرياض مطالبة بإعادة حساباتها قبل اتخاذ قرار الحرب.
وفي المقابل، فإن السعودية التي بدأت منذ سنوات تنويع تحالفاتها ربما أصبحت أكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية أمنها بنفسها، حتى لو كان ذلك عبر بناء شراكات دفاعية جديدة.
هل انتهى التحالف السعودي الأمريكي؟
الإجابة الأقرب للواقع: لا.
فالحديث عن انتهاء التحالف السعودي الأمريكي يبدو مبالغًا فيه.
لكن القول إن العلاقة لم تعد كما كانت سابقًا يبدو أكثر واقعية.
لقد انتقلت العلاقة من مرحلة الاعتماد المتبادل شبه الكامل إلى مرحلة تقوم على المصالح المتبادلة، وتعدد الخيارات، وحسابات أكثر براغماتية.
السعودية لم تعد السعودية نفسها التي كانت تعتمد على واشنطن في كل الملفات، والولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتقديم التزامات مفتوحة لحلفائها كما كان يحدث في مراحل سابقة.
وبين الطرفين، يبدو أن كل طرف بدأ يسأل نفسه السؤال ذاته:
ماذا أريد من الآخر؟ وماذا أنا مستعد لأن أقدم له؟
وفي النهاية.. من يدفع الثمن؟
المشكلة أن كل هذه الحسابات تجري فوق أرض تدفع الشعوب ثمنها.
اليمن، وغزة، وإيران، وأوكرانيا وغيرها، أصبحت ساحات لصراعات تتجاوز حدودها الوطنية، تتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ والممرات والمصالح وموازين القوة.
وفي خضم هذه اللعبة الكبرى، يبقى المواطن اليمني والعربي والإيراني والأوكراني هو الحلقة الأضعف.
قد تتغير التحالفات، وقد تتبدل مواقف الدول، وقد ينتقل الحلفاء من معسكر إلى آخر، لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب وسط كل ذلك هو:
إلى متى ستظل الشعوب هي التي تدفع فاتورة الصراعات التي لا تملك قرار إشعالها ولا قرار إيقافها؟
ربما تكون أزمة السعودية وأمريكا مجرد خلاف سياسي عابر.
وربما تكون بالفعل بداية لمرحلة جديدة في المنطقة.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة، مرحلة لا يبدو فيها الحليف حليفًا دائمًا، ولا الخصم خصمًا دائمًا، وإنما تحكم الجميع قاعدة واحدة:
المصلحة أولًا.. والتحالفات قابلة لإعادة الحساب.
الصحفي صالح حقروص
2026/9/11م