لم يعد اليمنيون بحاجة إلى المزيد من الأحاديث المطمئنة عن أن "الحرب جولات" وأن "النصر قادم"، وأن ما حدث مجرد انتكاسة يمكن تجاوزها بالشعارات، مثل هذا الخطاب، إذا لم يستند إلى مراجعة حقيقية للأداء والقيادة والاستراتيجية، يتحول من رفع للمعنويات إلى نوع من التخدير السياسي.
أول واجب اليوم هو إنصاف الرجال الأبطال الذين ثبتوا في الميدان، واحترام تضحياتهم، وعدم تحميلهم كلفة أخطاء لم يصنعوها.، هؤلاء أثبتوا في أكثر من جبهة أنهم قادرون على صناعة النصر ، بالصمود والقتال حين تتوفر لهم القيادة والإسناد والإمكانات ، ولذلك فإن النقد يجب أن يتجه إلى موضع الخلل الحقيقي: إلى القرار، والإدارة، والتخطيط، وبنية الدولة التي تدير الحرب.
اولها مجلس القيادة الرئاسي، بصورته الحالية، لم يكن حتى الآن في مستوى طبيعة المواجهة التي يخوضها اليمن. والمشكلة ليست في خطأ عابر، وإنما في العجز عن تحويل تجارب السنوات الماضية إلى دروس مؤسسية، بعد أكثر من عقد من الحرب لا يجوز أن نكرر أخطاء عام 2015 بالأدوات والعقليات نفسها، ثم ننتظر نتيجة مختلفة، الدول التي تخوض حروبًا طويلة تتعلم، وتغيّر قياداتها، وتراجع عقيدتها العسكرية، وتبني مؤسساتها وفق ما كشفته الحرب من مواطن ضعف؛ أما إعادة إنتاج الأخطاء فثمنها أرواح الناس ومستقبل الدولة.
ثانيا وزارة الدفاع، فالمعركة المصيرية لا تحتاج مديرا إداريا للحرب ، مشغول بالبصمة وهي واجبة لكنها لا تكون همة ومصدر فخر ، بل تحتاج الى قيادة ميدانية تمتلك الخبرة والبصيرة الاستراتيجية والقدرة على قراءة مسرح العمليات وربط الجبهات بالأهداف السياسية الكبرى، وهذا يستدعي إعادة الاعتبار للقادة الميدانيين الذين خبروا الحرب واختبروا جغرافيتها وخصمها وتحولاتها. وليس في ذلك انتقاص من إخلاص القيادات الحالية؛ فالإخلاص قيمة أخلاقية مهمة، لكنه وحده لا يصنع قيادة حرب ناجحة.
ثالثا الوقت حان لمراجعة علاقة اليمن بحلفائه في الخارج، اليمن بحاجة إلى تحالفات، لكنه يحتاجها على قاعدة المصالح المتبادلة والمصداقية والاستقلالية والتعاون، لا على قاعدة التبعية أو تهميش القرار الوطني. والتحالف الناجح هو الذي يقوّي الدولة اليمنية لا الذي يحل محلها، ويبني مؤسساتها لا يبقيها معتمدة عليه.
رابعا توسيع شبكة العلاقات والتحالفات اليمنية ضرورة استراتيجية، ليس المطلوب استبدال حليف بحليف، وإنما تحرير السياسة اليمنية من الارتهان لمحور واحد، وبناء علاقات عربية وإقليمية ودولية متعددة تخدم أمن اليمن واقتصاده وسيادته واستعادة دولته.
خامسا كشفت المعركة خللا واضح في إدارة الإعلام والمعلومة؛ فالشائعات والمبالغات والأخبار غير الدقيقة أضرت بالمعنويات وسمحت للخصم باستثمار الفراغ. المطلوب إعلام مهني سريع وموثوق، يرفع المعنويات بالحقيقة لا بالتضليل، ويدرك أن المصداقية في زمن الحرب جزء من القوة.
سادسا كل ذلك سيظل ناقصا من دون مشروع وطني يستطيع اليمنيون الاجتماع حوله. لا يكفي أن نتفق على الخصم؛ علينا أن نعرف أي دولة نريد بعد الحرب: دولة مواطنة وقانون، أم عودة إلى الصراعات القديمة؟ كيف ستدار السلطة والثروة؟ ما موقع المحافظات؟ ما شكل الجيش؟ وما الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج الاستبداد أو الحرب؟ الحرب التي لا تحمل تصورًا واضحًا لما بعدها قد تربح أرضًا وتخسر دولة.
ولهذا فإن إعادة البناء يجب ألا تتوقف عند الجيش. اليمن يحتاج إلى إعادة بناء وزارات الدفاع والداخلية والخارجية، وأجهزة الأمن والاستخبارات، ومنظومات الاتصالات والأمن السيبراني، والدبلوماسية الرقمية والإعلام الاستراتيجي، نحن أمام حرب تختلف جذريًا عن حروب الماضي؛ المعلومة فيها سلاح، والاتصال جبهة، والرواية جزء من المعركة، والتكنولوجيا عنصر من عناصر السيادة. وهذا كله يحتاج إلى جيل جديد من الكفاءات، لا إلى تدوير الأشخاص والوظائف ذاتها.
وتبقى مسؤولية النخب ربما الأكثر حساسية. على النخب السياسية والإعلامية والثقافية أن تتحرر من الاستقطاب ومن منطق الاصطفاف الذي يجعل الكاتب يقول ما يرضي المعسكر الذي ينتمي إليه، لا ما يراه صحيحًا. أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الحرب أن يتحول المثقف إلى مبرر للسلطة، والإعلامي إلى صدى، والخبير إلى صاحب موقف معدّ سلفًا.
الوطنية ليست أن تصمت عن الخطأ لأن مرتكبه حليفك، ولا أن تضخم الخطأ لأن مرتكبه خصمك. الوطنية أن تقول ما يخدم اليمن حتى عندما لا يوافق رغبة جماعتك أو حزبك أو حليفك.
إن احترام دماء المقاتلين لا يكون بكثرة المديح، بل بأن نضمن ألا تُهدر بسبب سوء الإدارة. واحترام تضحيات اليمنيين لا يكون بتكرار خطاب النصر، وإنما ببناء شروطه.
ما يحتاجه اليمن اليوم ليس جرعة جديدة من التفاؤل، بل شجاعة المراجعة: مراجعة القيادة، والعقيدة العسكرية، والتحالفات، والمؤسسات، والنخب، والمشروع الوطني كله.
فالانتصار لا يبدأ من الشعار.
يبدأ من القدرة على الاعتراف بالخطأ، ثم امتلاك الشجاعة لتغييره.