حين يتغير ميزان المعركة: من أسند الجنوب بالأمس؟

قبل 39 دقيقة


أديب العقيلي
بقلم: أديب العقيلي
ارشيف الكاتب

في الحروب، لا يكفي أن نراقب تحرك القوات على الأرض؛ بل يجب أن نسأل عن الغطاء الجوي، وغرفة العمليات، والإسناد الاستخباراتي، وطبيعة القرار السياسي الذي يحدد أين تتقدم القوات وأين تتوقف.

عندما تقدمت القوات الجنوبية في معارك الساحل الغربي، ووصلت إلى مشارف الحديدة وطريق كيلو 16، لم تكن تتحرك في فراغ عسكري. كان هناك إسناد جوي للتحالف، وتنسيق عملياتي، وقدرات دفاعية وصاروخية جعلت ميزان المعركة مختلفًا عمّا هو عليه اليوم. وقد شكل الوصول إلى كيلو 16 نقطة استراتيجية مهمة في مسار العمليات حول الحديدة.

ولهذا فإن السؤال المشروع اليوم ليس عن شجاعة المقاتل الجنوبي، فقد أثبتها في أكثر من جبهة، وإنما عن القرار الذي يضعه في المعركة، والغطاء الذي توفره له الجهات الحليفة، والحدود التي يُسمح له بالوصول إليها.

فإذا كانت المملكة العربية السعودية اليوم تتبنى مسارًا سياسيًا مختلفًا، أو تسعى إلى ترتيبات إقليمية تتقاطع مع حسابات القوى اليمنية، فإن الجنوبيين من حقهم أن يسألوا: هل تغيرت قواعد اللعبة؟ وهل أصبحت الجبهات الشمالية محكومة بسقف سياسي لا عسكري؟

والسؤال الآخر أكثر إثارة للجدل: لماذا تتوقف بعض الجبهات عند خطوط معينة، بينما تتواصل الضربات الحوثية؟ ولماذا لا تكون المنشآت النفطية والاستراتيجية، التي كانت هدفًا بارزًا لهجمات الحوثيين في مراحل سابقة، في قلب المشهد بنفس الصورة التي يتوقعها الرأي العام؟

هذه ليست أسئلة لإدانة طرف أو تبرئة آخر، بل أسئلة سياسية وعسكرية تستحق إجابات واضحة، خصوصًا أن السعودية نفسها تعرضت خلال سنوات الحرب لهجمات حوثية استهدفت منشآت حيوية واقتصادية، قبل أن تعود المواجهة إلى مسارات أكثر تعقيدًا.

أما المؤلم فهو أن يدفع المقاتل الجنوبي ثمن قرارات لا يملكها. فالقوة التي حققت إنجازاتها في الماضي لم تكن تفتقر إلى الشجاعة، بل كانت تعمل ضمن منظومة عسكرية متكاملة، بقيادة تعرف متى تتقدم، وأين تتوقف، وكيف تستفيد من الإسناد المتاح.

ولذلك، فإن خسارة الأرواح والعتاد والهيبة ليست مجرد نتيجة لمعركة خاسرة؛ إنها رسالة ينبغي أن تصل إلى صانع القرار: لا تُرسل المقاتل إلى معركة أكبر من غطائه السياسي والعسكري، ولا تطلب منه أن يحقق بالنار ما تم التراجع عنه على طاولة السياسة.

وفي النهاية، لا شماتة في قتيل أو جريح أو أسير، فالدم الجنوبي ليس مادة للمزايدات. لكن احترام دماء المقاتلين يبدأ بمراجعة القرارات التي أرسلتهم إلى تلك الجبهات، وطرح السؤال الأكثر إلحاحًا:

هل تغيرت قواعد الحرب، أم أن الجنوب هو الطرف الوحيد الذي ما زال يتعامل معها باعتبارها حربًا بينما يتعامل الآخرون معها باعتبارها صفقة سياسية؟