بقلم الصحفي صالح حقروص
في السياسة، لا تأتي التحولات الكبرى دائمًا بصورة مباشرة، ولا تُكشف المخططات منذ لحظتها الأولى. أحيانًا تبدأ القصة بتحركات تبدو منفصلة، وزيارات تحمل عناوين رسمية، وترتيبات عسكرية يجري تقديمها باعتبارها إجراءات اعتيادية، قبل أن تتضح الصورة كاملة بعد فوات الأوان.
ومن هذا المنطلق، تبدو التطورات الأخيرة جديرة بالتوقف والقراءة، خصوصًا في ظل ما يثار من مخاوف بشأن محاولة إعادة إنتاج سيناريو حضرموت والمهرة، ولكن هذه المرة على امتداد الساحل.
فالمخرج المتهم بالوقوف خلف ما وُصفت بـ«طبخة الغدر والخيانة» التي أفضت إلى سقوط أعداد كبيرة من جنود القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، هو نفسه من يجري، الترتيبات لما يمكن وصفه بـ«الطبخة الثانية».
والفارق هذه المرة أن الهدف ليس مجرد موقع عسكري أو منطقة محددة، وإنما القوات الجنوبية في الساحل، بما يجعل المسألة، جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوة على الأرض.
لماذا الساحل؟
الساحل ليس مجرد مساحة جغرافية. إنه شريان استراتيجي، وممر عسكري واقتصادي، والسيطرة على مفاصله تعني امتلاك أوراق ضغط تتجاوز حدود المعركة المحلية.
ولهذا فإن استدراج القوات الجنوبية إلى مواجهة غير محسوبة، أو وضعها في ظروف تجعلها عرضة للغدر أو الحصار أو التفكيك، لن تكون نتائجه محصورة في خسارة عسكرية هنا أو هناك، بل قد تفتح الباب أمام تغييرات أكبر في خارطة النفوذ جنوبًا.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة السيناريو المطروح: أن تكون المعركة القادمة، إن وقعت، ليست معركة الساحل وحده، وإنما خطوة في اتجاه إسقاط بقية المحافظات الجنوبية تباعًا.
من حضرموت والمهرة إلى الساحل
ما حدث في حضرموت والمهرة خلال يناير/كانون الثاني 2026 لا يزال حاضرًا في الذاكرة السياسية والعسكرية الجنوبية. وبصرف النظر عن اختلاف الروايات حول تفاصيل تلك الأحداث والمسؤوليات عنها، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه هو أن الثقة وحدها لا تكفي في الصراعات المعقدة، وأن أي ترتيبات عسكرية تحتاج إلى حساب دقيق للنتائج والمخاطر.
ومن هنا تأتي المخاوف من تكرار السيناريو نفسه في منطقة أخرى، وبأدوات مختلفة.
فإذا كانت هناك بالفعل ترتيبات لاستدراج القوات الجنوبية إلى الساحل، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من سيواجه من؟ بل أيضًا: من المستفيد من تفكيك هذه القوات وإعادة توزيع نفوذها؟
زيارة الضالع.. علامة استفهام أخرى
في هذا السياق، تكتسب زيارة وزير الدفاع إلى الضالع أهمية سياسية وعسكرية، ليس بالضرورة لأنها دليل قاطع على وجود مخطط، وإنما لأنها تأتي في توقيت حساس، وسط حالة من الترقب والتوتر بشأن مستقبل التشكيلات والقوات الموجودة على الأرض.
ومن حق الرأي العام الجنوبي أن يسأل: إلى أين تقود هذه التحركات؟ وما طبيعة الترتيبات التي يجري إعدادها؟ وهل نحن أمام إعادة تنظيم عسكري حقيقي، أم أمام عملية أكبر لإعادة توزيع القوة والنفوذ؟
فالشفافية هنا ليست ترفًا سياسيًا، وإنما ضرورة لتجنب سوء التقدير، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقوات تشكلت خلال سنوات الحرب وأصبحت جزءًا أساسيًا من المعادلة العسكرية في الجنوب والساحل.
المسألة أكبر من القوات الجنوبية
الأخطر في السيناريو المطروح أن تداعياته، إذا ما تحقق، قد لا تتوقف عند القوات المسلحة الجنوبية.
فهناك تشكيلات عسكرية متعددة أنشأتها أو دعمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكل منها موقعها وحساباتها، بما في ذلك قوات طارق صالح في المخا. وبالتالي فإن أي إعادة هندسة شاملة للمشهد العسكري قد تطال الجميع، وإن بدرجات مختلفة.
وهنا ينبغي على جميع الأطراف أن تدرك أن تفكيك التشكيلات العسكرية بالقوة أو عبر ترتيبات ملتبسة قد لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل ربما يفتح الباب أمام فراغ أمني وعسكري يستفيد منه خصوم الجميع.
هل نحن أمام طبخة ثانية؟
ربما يكون الحديث عن «الطبخة الثانية» مجرد قراءة سياسية متشائمة، وربما تكون هناك بالفعل ترتيبات يجري إعدادها بعيدًا عن الأضواء.
لكن المؤكد أن التجارب السابقة تجعل الحذر مشروعًا، وأن تجاهل المخاوف أو التعامل معها باعتبارها مجرد ضجيج سياسي قد يكون خطأً مكلفًا.
القضية اليوم ليست في إطلاق الاتهامات، وإنما في طرح الأسئلة الصحيحة قبل أن تتحول الترتيبات إلى أمر واقع.
فإذا كانت هناك نوايا لإعادة ترتيب المشهد العسكري، فمن حق القوات والأطراف المعنية معرفة طبيعة هذا الترتيب وأهدافه وضماناته.
أما إذا كان الهدف هو استدراج القوات الجنوبية إلى فخ جديد، فإن التاريخ القريب يجب أن يكون كافيًا لتجنب الوقوع في الخطأ ذاته مرة أخرى.
الساحل اليوم يقف أمام مفترق طرق، وما سيحدث فيه لن يحدد مستقبل الساحل وحده، بل قد يرسم ملامح المرحلة القادمة في الجنوب بأكمله.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل هناك طبخة ثانية؟
بل أصبح:
من يطبخها، ولصالح من، ومن سيدفع ثمنها؟
الصحفي صالح حقروص
2026/9/10م