استهداف الح~وثي ال^إره~ابي للسعودية.. محاولة أخيرة لقلب معادلة تحرير صنعاء

قبل 55 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

لم تأتِ الضربات الحوثية العدوانية الاستفزازية التي استهدفت أعيانًا مدنية ومنشآت اقتصادية في السعودية من فراغ سياسي أو ميداني. فقد سبقتها تطورات مهمة على الأرض، وتقدم للقوات الحكومية في أكثر من جبهة، بالتزامن مع إعلان مساعد وزير الدفاع اليمني أن القرار قد اتُّخذ لتحرير صنعاء، وتصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي عن استعادة القوات زمام المبادرة في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة.


وهنا تكمن الزبدة: الحوثي لم يستهدف السعودية لأنه في موقع القوة، بل لأنه شعر أن المعركة بدأت تتحرك في اتجاه لا يريده، وأن مساحة المناورة تضيق أمامه؛ فاختار الهروب إلى الأمام وتوسيع دائرة المواجهة.


فالانتقال من مواجهة الضغوط المتصاعدة داخل اليمن إلى توسيع نطاق الاستهداف باتجاه السعودية يبدو أقرب إلى محاولة لتغيير طبيعة المعركة وقواعدها. يريد الحوثي أن ينقل الصراع من سؤال: من يستعيد الدولة اليمنية؟ إلى سؤال آخر: هل ستدخل السعودية الحرب مجددًا؟، حتى يعيد إنتاج خطاب المظلومية، ويستدعي التدخل الخارجي ذريعةً لإنقاذ وضعه المتراجع.


لكن المفارقة أن هذا الرهان قد ينقلب عليه.


فالاعتداء على المدن والمنشآت المدنية السعودية، وما أُعلن عن إصابة عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال، يمنح الرياض مبررًا قويًا للدفاع عن أراضيها، وفق ما أكدته بياناتها الرسمية، كما أن الموقف الخليجي المساند يضيّق مساحة المناورة أمام الجماعة، ويجعل مسؤوليتها عن توسيع دائرة التصعيد أكثر وضوحًا.


غير أن المسؤولية الأكبر تقع الآن على الشرعية.


فإذا كانت قد قررت بالفعل استعادة صنعاء، فعليها ألا تعود إلى إحياء مبادرات السلام وخفض التصعيد؛ فقد دفنهما الحوثي نفسه، ولا إلى الاستماع للمبعوثين؛ فقد استمعت إليهم خمسة عشر عامًا، وكانت النتيجة في كثير من الأحيان إطالة المرحلة الانتقالية وتوطين الأمر الواقع الحوثي.


وعليها كذلك ألا تسمح للتصعيد الحوثي بأن يسرق منها زمام المبادرة، أو يحولها إلى مجرد صورة خلفية لصراع سعودي ـ حوثي؛ فلليمن حق استعادة دولته وعاصمته ومؤسساته، وللمملكة حق الدفاع عن أمنها وتحييد مصادر تهديدها، وفي ذلك مصلحة مشتركة لاستعادة الدولة وتأمين المنطقة.


هذه اللحظة تحتاج إلى بصيرة سياسية، وهندسة ذكية تُحكم إغلاق المخارج أمام المشروع الحوثي، مع إبقاء مخرج آمن لمن يتخلى عنه. وهي لحظة فاصلة تحتاج أيضًا إلى ثبات عسكري، وضغط متواصل، وتدرج محسوب، مع إدراك أن عامل الزمن ليس في صالح المتردد. والأهم أن تكون الشرعية هي الفاعل المتقدم في الموقف الصريح الذي لا يحتمل اللبس، وأن تترجم هذا الموقف إلى فعل ميداني؛ فلا ينبغي بحال أن تكون الطرف الذي ينتظر ما ستفعله الأطراف الأخرى.


بل إن التصعيد الحوثي، بدل أن يكون سببًا للتراجع، يمكن أن يتحول إلى فرصة سانحة لتغيير الواقع على الأرض. فكلما وسّعت الجماعة دائرة الخطر، ازدادت حاجتها إلى تفسير موقفها، بينما تصبح الشرعية أمام فرصة لتقديم المعركة باعتبارها معركة يمنية مستحقة لاستعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب، لا حربًا بالوكالة عن أحد.


ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الشرعية الآن هو التردد، أو انتظار مبادرة جديدة، أو العودة إلى ما وافقت عليه سابقًا؛ فالتهدئة التي قبلت بها الشرعية لم يعد الحوثي ملتزمًا بها، ولا يجوز السماح بإعادة ترتيب المشهد بما ينقذه من مأزقه.


المطلوب هو العكس: استثمار اللحظة، توحيد الصفوف، تثبيت المكاسب، وتوسيع المبادرة على الأرض، مع إبقاء صنعاء هي البوصلة والهدف السياسي والعسكري الواضح.


الحوثي أراد بتصعيده أن يوقف ساعة التحرير التي انطلقت، وقد يكون فعل العكس تمامًا. فقد نقل نفسه من موقع من يحاول الدفاع عن نفوذه داخل اليمن إلى موقع من يهدد أمن الإقليم، وفتح بنفسه الباب أمام إنهاء انقلابه.


إن كان الحوثي قد ظن أن الصواريخ والمسيّرات إلى السعودية ستنقذه من معركة تحرير صنعاء، فقد يكتشف أن صواريخه إلى المملكة، وقد سبقتها أخواتها ضد اليمنيين، كانت سببًا في تسريع المعركة التي أراد تأجيلها.