مؤسف أن بعضنا لا يتعلم من أخطائه، بل يعيد إنتاجها كلما تغيرت المظلة.
في بدايات القضية الجنوبية، رفضنا بوضوح فكرة أن تتحول قضيتنا الوطنية إلى مشروع تديره الأيادي الخارجية. كنا نرى أن الوطن لا يستعاد بالوصاية، وأن من يطلب خلاص شعبه من الخارج قد يجد نفسه، بعد قليل، مطالبا بدفع ثمن الخلاص.
لكن المضحك المبكي أن بعض الصحافة، وهي التي يفترض أن تكون عين المجتمع ولسانه، كانت مستعدة في كل مرحلة لإعادة ضبط بوصلتها بحسب اتجاه الريح.
بالأمس كان الاتجاه عفاشيا، واليوم اتجاه آخر، وغدا ربما اتجاه ثالث. المهم أن تظل البوصلة تعمل... حتى لو كانت تعمل بالعملة الصعبة!
ولا أريد أن أظلم الصحافة كلها. هناك صحفيون وكتاب دفعوا أثمانا حقيقية من أجل مواقفهم، وهناك صحف ظلت تقاوم، وهناك من يكتب لأن لديه قضية لا لأن لديه فاتورة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الصحيفة من منبر للرأي إلى مشروع تجاري سياسي، وعندما يصبح السؤال قبل نشر المقال:
من انت وما توجهك ؟ بدلا من السؤال الطبيعي: ماذا تقول؟ وهل ما تقوله يخدم الحقيقة والمصلحة العامة؟
أنا شخصيا، عندما توقفت مقالاتي في بعض الصحف، لم أذهب أبحث عن واسطة ولا عن رضا أحد. بحثت عن نافذة أكتب منها. فالكاتب صاحب الرأي لا يحتاج إلى قصر، يكفيه نافذة.
كتبت في "أخبار اليوم"، رغم أن البعض كان يحاول تصنيف الصحيفة سياسيا. ولم يكن ذلك يعنيني. كنت مسؤولا عن مقالي، عن الفكرة التي أطرحها، وعن موقفي السياسي، وليس عن بطاقة العضوية السياسية التي يريد البعض إلصاقها بالصحيفة التي نشرت لي.
ثم جاءت مراحل عاد فيها بعض من أغلقوا نوافذهم بالأمس ليفتحوها من جديد، فكتبنا، لأننا وضعنا المصلحة الوطنية فوق الحسابات الصغيرة.
لكن يبدو أن بعض النوافذ لا تفتح إلا عندما تكون الرياح في الاتجاه المناسب!
وحين تتغير الرياح، تغلق النوافذ فجأة، وتتغير العناوين، وتتبدل النبرة، ويكتشف البعض أن ما كان "موقفا وطنيا" بالأمس أصبح اليوم "موقفا غير مناسب".
هنا تكمن المشكلة.
الوطن ليس موجة نركبها عندما ترتفع، وننزل منها عندما تنخفض.
والقضية الوطنية ليست سوقا للمزايدة، ولا الصحافة دكانا يغير واجهته كلما تغير الزبون.
قد تتوقف مقالاتنا في صحيفة، وقد تغلق أمامنا نافذة، لكن ذلك لا يعني أن الرأي توقف. هناك دائما نافذة أخرى، والأهم أن تبقى الكلمة حرة، والضمير حيا، والموقف مستقلا.
رسالتي ليست إلى صحيفة بعينها، ولا إلى كاتب بعينه، وإنما إلى الجميع:
اجعلوا المصلحة العامة فوق مصالحكم الخاصة، والوطن فوق الممول، والحقيقة فوق الاصطفاف، والقضية فوق الأشخاص.
فالممول يستطيع أن يشتري مساحة في صحيفة، لكنه لا يستطيع أن يشتري التاريخ.
والسياسي يستطيع أن يفرض حضوره لفترة، لكنه لا يستطيع أن يملي على التاريخ كيف يسجل مواقف الناس.
قد تنجح في ركوب موجة سياسية اليوم، وتربح منها موقعا أو مالا أو نفوذا، لكن المشكلة أن الموجات لا تبقى، بينما يبقى أثر الموقف.
وعندما تهدأ العاصفة، وتنكشف الحسابات، سيبقى سؤال واحد:
من كان يعمل من أجل الوطن، ومن كان يعمل من أجل نفسه؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
أما أنا، فسأظل أكتب حيث أجد نافذة تحترم الكلمة، لأنني لا أبحث عن صحيفة تتبنى موقفي، بل عن مساحة تسمح لي أن أقول موقفي.
فالصحافة الحرة لا تسأل الكاتب: من يدفع؟
وإنما تسأله: ماذا تقول؟
والكاتب الوطني لا يسأل: ماذا سأربح؟
بل يسأل: ماذا سيبقى لوطنـي؟
وفي النهاية، قد يصفق لك الممول، وقد يصفق لك السياسي، وقد تصفق لك الموجة كلها...
لكن التصفيق ينتهي.
والتاريخ لا يصفق لأحد... التاريخ يحكم.
احمد ناصر حميدان