د. علي العسلي
لا أحد يستطيع تجاهل حجم الصدمة التي أحدثتها التطورات الأخيرة في الساحل الغربي، رغم أنها لم تكن مفاجئة تمامًا في ظل حجم الحشد الحوثي والأنساق المتوالية التي كانت تتدفق نحو مسرح العمليات، وما رافق ذلك من مؤشرات كان يفترض أن تستدعي استعدادًا أكبر واحتواءً أسرع للموقف. أما عدم استطاعة القوات الموجودة في مسرح العمليات التعامل مع هذا التصعيد واحتوائه في الوقت المناسب، فهو أمر يحتاج إلى نقاش جاد وتقييم مسؤول داخل القيادة السياسية والعسكرية، بعيدًا عن التبرير أو التسرع في إطلاق الأحكام.
نعم، فقد سقطت مواقع، وتراجعت قوات، ووصل الحوثي إلى المخا، وأصبح باب المندب أقرب إلى دائرة الخطر. وهي وقائع مؤلمة تستحق أن تُقرأ بعقل بارد، وأن تُبحث أسبابها ومسؤولياتها، بما في ذلك أي تقصير أو اختراق أو خيانة إن ثبتت، لا أن تُغطى بالشعارات. لكن الخطأ الأكبر أن نحول هذه الصدمة العسكرية إلى هزيمة نفسية، وأن نقدم للحوثي مجانًا ما عجز عن انتزاعه في الميدان: انكسار إرادة الناس وثقتهم بإمكانية استعادة الدولة.
فالمعركة التي بدأت في 2015 لم تكن لتُختزل اليوم في سقوط موقع أو مدينة. فالهدف الحوثي من هذا الحشد والتصعيد يتجاوز السيطرة على الأرض؛ ومن أهدافه الوصول إلى البحر الأحمر وباب المندب، وامتلاك ورقة استراتيجية تجعله طرفًا يفرض نفسه على العالم، ويُتفاوض معه بشأن أمن الملاحة ومصالح المنطقة، أو يضمن لنفسه موقعًا في أي صفقة أو تفاهم إقليمي ودولي قادم، خصوصًا إذا حدث تفاهم جديد بين إيران والولايات المتحدة كما يأمل. ولا سمح الله إن نجح في تحقيق ذلك، فسيكون قد حقق هدفًا سعى إليه طويلًا؛ لكن ذلك لا يعني حسم المعركة الكبرى، ما دام الهدف هو استعادة الدولة ومؤسساتها كاملة، وهو الهدف الأسمى الذي من أجله بدأت هذه الحرب.
واللافت أن الحوثي، وهو يحقق مكاسب ميدانية، قد يكون ارتكب في الوقت نفسه خطأً استراتيجيًا أكبر. فقد أعاد إشعال الحرب، ووسّع اتصالاته وتنسيقه مع تشكيلات مسلحة في القرن الأفريقي بما يهدد أمن الملاحة، ووسّع هجماته على المملكة العربية السعودية، واستهدف المدنيين والبنية التحتية للطاقة، واقترب أكثر من باب المندب وتهديد الملاحة والتجارة الدولية. وهنا لم يعد الأمر شأنًا يمنيًا داخليًا يمكن للعالم التعامل معه ببرود؛ فكلما وسّع الحوثي دائرة الخطر، ضيّق على نفسه مساحة المناورة السياسية، وحوّل معركته من صراع على السلطة في اليمن إلى تهديد أوسع للأمن الإقليمي والدولي.
ولهذا جاءت المواقف الدولية أكثر وضوحًا. ففي بيانها الصادر اليوم، أكدت الخارجية البريطانية وقوفها إلى جانب السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وحمّلت الحوثيين المسؤولية عن إعادة إشعال الصراع، وحذرت من أن هجماتهم تهدد الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة ومسارات التجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة حق السعودية والحكومة اليمنية في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما وفق القانون الدولي.
وكان الموقف الأمريكي قد سبق ذلك، وجاء أكثر وضوحًا في تأكيده أن الحوثيين هم من بدأوا الصراع وعليهم تحمّل تبعات عدوانهم، وأن حكومة الجمهورية اليمنية هي الحكومة الشرعية الوحيدة، ولها كامل الحق في الدفاع عن شعبها وإنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب، كما أكد حق المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها ومساندة الحكومة اليمنية الشرعية في هذه الجهود.
وهذه ليست مجرد عبارات دبلوماسية عابرة؛ فهي تعني أن الحوثي، كلما وسّع نطاق عدوانه وتهديده للملاحة والأمن الإقليمي، يدفع المجتمع الدولي إلى النظر إلى المعركة من زاوية أوسع من كونها صراعًا يمنيًا على السلطة، ويمنح الحكومة اليمنية والسعودية أساسًا سياسيًا وقانونيًا أوضح في مواجهة هذا التصعيد.
ومن هذه الزاوية، فإن ما جرى ليس نهاية المعركة، بل جزء من صراع أكبر على من يملك قرار اليمن وموقعه الاستراتيجي. وما نحتاج إلى معرفته الآن هو: هل كان ما حدث نتيجة انهيار في بعض خطوط الدفاع، أم إعادة انتشار لحماية القوات وإعادة ترتيبها؟ لا نملك حتى اللحظة ما يكفي للجزم. لكن الساعات، وربما الأيام القادمة، ستكشف ذلك؛ فالمعيار ليس ما يقال اليوم، وإنما ما سيحدث عقب سقوط هذه المواقع، وبخاصة مدينة المخا، بما تمثله من رمزية سياسية وعسكرية، باعتبارها مقر قيادة المقاومة الوطنية، بقيادة الفريق طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي، وما تمثله هذه القوات من تشكيل عسكري قيل إنه مهني ومحترف ومدرب ويمتلك قدرات كبيرة.
ومن هنا سيكون الاختبار الحقيقي: هل ستتوحد القيادة، وتُعاد تنظيم القوات، وتُستعاد المبادرة؟ وهل ستظهر قدرة هذا التشكيل على استيعاب الصدمة وإعادة ترتيب صفوفه وفرض معادلة جديدة في الميدان؟ وهل يمكن أن يتحول اندفاع الحوثي وتوسعه إلى مأزق عسكري وسياسي له، أو إلى فخ استُدرج إليه بقواته وقادته؟ هنا سيكون الجواب، لا في بيانات التبرير ولا في منشورات الإحباط.
وهذا لا يعني الاطمئنان الساذج، ولا اعتبار كل تراجع خطة عبقرية. فإذا كانت هناك إعادة ترتيب للقوات، فهذه لحظة تحويلها سريعًا إلى مبادرة مضادة. وإذا كان هناك خلل في القيادة أو التنسيق، فهذه لحظة إصلاحه فورًا، واتخاذ قرارات عسكرية واضحة يسمعها الشعب اليمني ويرى آثارها في الميدان، ليطمئن إلى أن القيادة تدرك حجم الخطر وتتحرك لمواجهته. وإذا ثبت وجود اختراق أو خيانة، فهذه لحظة كشفه ومحاسبة أصحابه. أما أن نتولى نحن مهمة الحوثي في هدم معنويات شعبنا، ونحوّل كل خسارة إلى دليل على نهاية المعركة، فهذا تخادم مجاني يجب أن نتوقف عنه.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره الآن ليس موقعًا عسكريًا، بل الإيمان بأن استعادة الدولة ما زالت ممكنة. والرجال الذين قاتلوا وصمدوا ليسوا بحاجة إلى من يخذلهم، بل إلى قيادة واضحة، وإسناد حقيقي، وتنظيم أفضل، وقرار يعرف متى يدافع ومتى يناور ومتى يهاجم.
لذلك، لا تسبقوا الأحداث.
قد يكون ما حدث تراجعًا خطيرًا، وقد يكون إعادة ترتيب تسبق تحولًا أكبر. الميدان وحده سيحسم ذلك. لكن الحوثي لم يربح اليمن كله، ولم يسقط مشروع الجمهورية بمجرد سيطرته على مواقع. وربما تكون المفارقة أن الحوثي، وهو يوسع رقعة سيطرته، وسّع أيضًا دائرة الذين باتوا يرون خطره بصورة مختلفة.
فلا تمنحوا الحوثي نصرًا نفسيًا لم يحققه في الميدان. الحزن على الأرض التي فُقدت حق، والمحاسبة على التقصير واجب، والوقوف خلف الرجال في الجبهات مسؤولية أخلاقية؛ لكن تحويل الخسارة الميدانية إلى هزيمة نفسية هو التخادم المجاني الأكبر مع الخصم.
المعركة لم تنتهِ، والحوثي، بانتشائه الحالي، لم يربح الحرب، بل وسّع دائرة خصومه، ورفع مستوى المخاطر التي تمس مصالح إقليمية ودولية. والميدان وحده هو الحاكم؛ وما ستكشفه الأيام القادمة ليس حجم الصدمة، فقد أصبح معلومًا، وإنما قدرة القيادة والقوى الوطنية على استيعابها وتحويل هذه الاندفاعة الحوثية من مكسب ميداني مؤقت إلى بداية فصل جديد لاستعادة المبادرة والعاصمة صنعاء والدولة.