رؤيتي للحسم في اليمن: حل القضية الجنوبية أولًا هو مفتاح الانتصار

قبل ساعة


أكرم القعيطي
بقلم: أكرم القعيطي
ارشيف الكاتب

بعد أكثر من عقد من الحرب والتضحيات والتحالفات المتغيرة، أعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة الطريقة التي أُديرت بها المعركة بعيدًا عن الشعارات والمجاملات. المشكلة ليست في شجاعة المقاتلين ولا في قلة التضحيات، وإنما في غياب مشروع سياسي وعسكري واضح يحدد: من يقاتل؟ ولماذا يقاتل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وماذا سيكون شكل اليوم التالي للحرب؟


من وجهة نظري، لن يتحقق انتصار حقيقي ومستدام على الحوثي ما لم تُحل القضية الجنوبية أولًا حلًا عادلًا وواضحًا. ونحن نقولها دون مواربة: رؤيتنا هي استعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل عام 1990م، وأن يكون مستقبل الجنوب جزءًا واضحًا من أي تسوية، لا وعدًا مؤجلًا يُطلب منا انتظار تحقيقه بعد انتهاء الحرب.


لقد أثبت أبناء الجنوب في جبهات كثيرة قدرتهم على القتال والانتصار عندما يكون الهدف واضحًا، والقيادة متماسكة، والجبهة معروفة، وتكون خلف المقاتلين حاضنة شعبية تؤمن بما يفعلونه. لكن الخطأ يبدأ عندما تُدفع القوات الجنوبية إلى عمق الشمال دون رؤية سياسية واضحة أو ضمانات حقيقية، ثم تجد نفسها وسط حسابات وأجندات وقيادات متضاربة.


وهنا يجب أن نكون منصفين: لسنا بصدد تخوين كل أبناء الشمال، فهناك رجال شماليون شرفاء قاتلوا الحوثي وقدموا أرواحهم، ولكننا نتحدث عن قيادات وقوى سياسية وعسكرية أثبتت سنوات الحرب فشلها، وبعضها غلّب مصالحه الحزبية والشخصية وصراعاته الجانبية على معركته الأساسية مع الحوثي. لا يجوز أن يصبح الحل في كل مرة هو إرسال مزيد من أبناء الجنوب لتعويض هذا الفشل.


تحرير الشمال مسؤولية أبنائه وقواه في المقام الأول. يستطيع الجنوب أن يكون حليفًا وشريكًا ويساند منهم من يقاتل الحوثي بصدق، ولكن لا ينبغي أن يتحول الجندي الجنوبي إلى وقود دائم لكل جبهة شمالية بينما تبقى قضية بلده ومستقبله معلقة.


وهناك مسألة أخطر ينبغي أن تفهمها قياداتنا الجنوبية: الحاضنة الشعبية جزء من المعركة وليست أمرًا ثانويًا. وبدون إعطاء الجنوبيين حقهم وتحديد مستقبل الجنوب، لن تكون هناك حاضنة جنوبية قوية لأي فصيل جنوبي يقرر أخذ قواته إلى الشمال والدخول في حرب مفتوحة هناك.

وعندما يذهب القائد إلى معركة كبيرة بينما شعبه في الجنوب غير مقتنع بهدفها، فإنه يدخلها وقد فقد أحد أهم عناصر قوته قبل أن تبدأ المعركة.

فالمقاتل يحتاج إلى شعب يقف خلفه، وأسرة تعرف لماذا ذهب ابنها، وشارع يؤمن بالهدف الذي تُدفع من أجله الدماء.


ولهذا نقول لقياداتنا: لا تنظروا فقط إلى عدد الجنود والسلاح والرتب والمناصب. انظروا إلى الشعب الذي يقف خلفكم. قوتكم الحقيقية تبدأ من حاضنتكم الجنوبية. وإذا فقدتم ثقتها بسبب قرارات عسكرية لا يفهم الناس أهدافها ولا يرون فيها مصلحة لبلدهم، فقد تخسرون سياسيًا وشعبيًا قبل أن تبدأ المواجهة العسكرية.


وما يحدث لأي قائد جنوبي يتعرض لخسائر في جبهات الشمال يجب ألا يكون مناسبة للشماتة فيه، وإنما جرس إنذار للجميع. القائد مهما كانت شجاعته وتاريخه لا يستطيع أن ينتصر وحده إذا أُدخل في ساحة تحكمها حسابات سياسية وعسكرية متناقضة، ولا ينبغي أن يدفع جنوده ثمن الثقة بترتيبات لم تتضح أهدافها ونهايتها.


ولهذا رسالتنا إلى قيادات الجنوب واضحة: لا تتخذوا قرارات مصيرية بصورة منفردة، ولا تزجوا بأبناء الجنوب في حرب مفتوحة دون هدف سياسي وضمانات واضحة. لا تجعلوا الاموال او الرتبة أو المنصب أو الوعود تدفعكم إلى استنزاف القوات التي بناها الجنوب بدماء أبنائه.


ومن الخطأ كذلك تفكيك القوات الجنوبية وتوزيعها على جبهات متباعدة حتى تفقد تماسكها. فقوة الجنوب في وحدة قراره وفي بقاء قواته متماسكة وقادرة أولًا على حماية أرضه وحدوده ومكتسباته. وإذا تطلب أمن الجنوب عمليات خارج حدوده، فيجب أن تكون لها أهداف محددة وقيادة واضحة ومدة ومصلحة عسكرية معروفة، لا أن تتحول إلى حرب استنزاف بلا نهاية.


أما القول إن على القوات الجنوبية أن تذهب إلى كل جبهة شمالية وإلا سيصل الحوثي إلى الجنوب، فهذه ليست استراتيجية متكاملة. فحماية الجنوب تبدأ ببناء قوة ردع جنوبية موحدة وتأمين حدوده وممراته الاستراتيجية، مع دعم القوى الشمالية الجادة لكي تقوم هي بمسؤوليتها في تحرير أرضها.


نحن لا ندعو إلى ترك من يقاوم الحوثي، ولا نفرح بأي انتصار يحققه الحوثي على خصومه، ولا نتمنى سقوط أي منطقة بيده. هزيمة الحوثي مصلحة للجميع. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين مساندة معركة الشمال وبين أن يصبح الجنوب هو المخزون البشري الدائم لهذه المعركة.


والأهم والمهم هو أن القضية الجنوبية ليست مكافأة تعطى لنا بعد انتهاء الحرب، بل هي في اعتقادي جزء أساسي من حل الحرب نفسها. فعندما يعرف الجنوبي مستقبل بلده وما الذي يقاتل من أجله، ويعرف الشمالي أن تحرير صنعاء ومدنه مسؤوليته الأولى، تصبح المسؤوليات واضحة فيعطى كل ذي حق حقه ثم بعدها يمكن بناء تحالف حقيقي بين طرفين يعرف كل منهما حقوقه وواجباته.


نحن نريد دولة جنوبية بحدود ما قبل عام 1990، ونريد في الوقت نفسه أن يهزم الحوثي وأن يستعيد أبناء الشمال مناطقهم. لا يوجد تناقض بين الأمرين. بل إن الاعتراف بحق الجنوب سيخلق شريكًا جنوبيًا أقوى وأكثر تماسكًا، لأن وراء قواته حاضنه وشعبًا يعرف لماذا يقاتل وإلى أين يسير.

لذلك أقولها لقياداتنا وللتحالف ولمن يريد من الجنوب أن يشارك في هذه الحرب:

أعطوا الجنوب حقه، وستجدون خلف قواته شعبًا كاملًا.


أما أن تطلبوا دم الجنوبي وتؤجلوا قضيته، فأنتم تسلبون المقاتل حاضنته قبل أن يدخل المعركة فيخسرها قبل ان يبدأها.


هذه رؤيتي وقد أخطئ وقد أصيب، لكنها نابعة من الحرص على دم أبناء الجنوب ومستقبلهم، لا من الشماتة بأحد ولا من الرغبة في انتصار الحوثي. دماؤنا ليست ورقة تفاوض، وقواتنا ليست وقودًا لتسويات الآخرين، ومن يريد شراكتنا فعليه أن يتعامل معنا كشريك صاحب هويه وأرض وعلم وقضية وحق ودوله مستقله كاملة السياده على حدود ما قبل عام 1994م .