نحن شعبٌ مسكين، لأننا سمحنا، منذ سنوات، بأن تتحول قضايانا الوطنية إلى أوراق في لعبة إقليمية أكبر منا.
منذ بداية التدخل الخليجي، كنا متوجسين من حجم هذا التدخل، سواء في المبادرة الخليجية أو الحوار الوطني أو ما تلاهما. ومع ذلك، كنا نقول: لا بأس، يمكن الاستفادة من الدعم الإقليمي، ما دامت الخيوط الأساسية لا تزال بأيدينا. لكن اللحظة التي غادر فيها الرئيس عبدربه منصور هادي اليمن، بعد أن أصبحت صنعاء خارج سيطرة الدولة، شعرنا أن المعادلة تغيرت، وأن القرار اليمني بدأ ينتقل تدريجياً إلى الخارج.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، يبدو أن بعض القوى الإقليمية نفسها قد ملت من التعامل مع قوى سياسية يمنية لم تعد قادرة على التفاهم حتى مع شركائها في الوطن، فتحولت الساحة اليمنية إلى مساحة لإدارة الصراعات بدلاً من صناعة الحلول.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يجري التفكير في إعادة رسم مناطق النفوذ، بحيث تُترك حضرموت والمهرة وربما أجزاء من شبوة والجوف ومارب مصادر الثروة، ضمن ترتيبات خاصة، بينما تُترك بقية البلاد لمصيرها، بما فيها استمرار الحوثي كطرف مسلح يفرض شروطه بقوة الأمر الواقع؟
قد يبدو هذا الكلام للبعض تشاؤماً أو إحباطاً، لكنه في الحقيقة سؤال سياسي مشروع تفرضه الوقائع.
خذوا مثالاً واضحاً: كيف استطاع الحوثيون الاقتراب من مناطق استراتيجية على الساحل الغربي، في الوقت الذي كانت فيه تلك الجبهة تحت سيطرة قوات مدعومة إقليمياً؟ وكيف تمكنوا من توسيع حضورهم والاقتراب من واحدة من أهم المناطق البحرية في العالم، بينما كان التحالف يمتلك التفوق الجوي والعسكري؟
إذا كان الحوثي يمثل، كما قيل لنا، تهديداً استراتيجياً للملاحة الدولية والممرات البحرية، فلماذا لم تُحسم هذه المسألة عسكرياً طوال هذه السنوات؟ ولماذا استطاع الحوثي أن ينتقل من جماعة محاصرة إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة على تهديد الملاحة الدولية؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى عقل سياسي يبحث عن الإجابات.
لقد أصبح واضحاً أن الحوثي ليس وحده في هذه المعادلة، وأن كثيراً من القوى اليمنية، بمواقفها المتصارعة، تحولت ــ من حيث تدري أو لا تدري ــ إلى أدوات داخل مشهد إقليمي ودولي أكبر منها.
المشكلة ليست فقط في الخارج؛ المشكلة أيضاً في الداخل. فحين يفقد السياسي قدرته على التفكير الاستراتيجي، ويصبح الثأر من الماضي هو الذي يحدد موقفه من الحاضر والمستقبل، فإنه يتحول بسهولة إلى ورقة في يد الآخرين.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد عقولنا السياسية قبل أن نستعيد قرارنا الوطني. فالأوطان لا تُبنى بعقلية الثأر، ولا تنتصر بالمزايدات، ولا تُدار بالشعارات.
ومن فقد القدرة على قراءة المشهد بعقل بارد، سيجد نفسه في النهاية يدافع عن سيناريو لم يكتبه، ويقاتل في معركة لم يخترها، ويكتشف متأخراً أنه كان مجرد أداة في لعبة أكبر منه.
احمد ناصر حميدان