من حقنا اليوم أن نتوقف قليلًا، لا لنهرب من المعركة، ولا لنتخلى عن قضايانا، وإنما لنسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا: إلى أين نمضي؟ وماذا نريد أن نحقق من كل هذه التضحيات؟
ما حدث بالأمس في الساحل الغربي ليس مجرد حادثة عسكرية عابرة يمكن تجاوزها بالصمت أو النسيان. إنه حدث يفرض علينا إعادة قراءة المشهد كاملًا، ومراجعة حساباتنا تجاه القوى التي نتعامل معها باعتبارها حليفة، خصوصًا بعد تجارب كثيرة أثبتت أن التحالفات في اليمن كثيرًا ما تتغير عندما تتغير المصالح.
لقد قدم الجنوب خيرة أبنائه في مختلف الجبهات، وخاض معارك لم تكن كلها داخل حدوده أو مرتبطة بصورة مباشرة بأمنه ومستقبله. وفي كل مرة كان السؤال نفسه يعود: ماذا سيحصل للجنوب بعد انتهاء المعركة؟
هل سيحصل على دولة؟
هل ستعود إليه حقوقه؟
هل ستنتهي التهديدات التي تحيط به؟
أم أن أبناء الجنوب سيعودون من الجبهات إلى واقع أكثر تعقيدًا، بينما تستمر القوى الأخرى في صراعاتها وحساباتها؟
نحن لا نقول إن الجنوب يجب أن يعيش بمعزل عن محيطه، ولا إن مواجهة الحوثيين أو أي تهديد آخر ليست مهمة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تخوض معركة دفاعًا عن أمنك ومصالحك، وبين أن تتحول إلى قوة تتحمل عبء معارك الآخرين، ثم تجد نفسك في لحظة ما أمام مواقف لا تتفق مع ما قدمته من تضحيات.
والأحداث الأخيرة تؤكد أن الحليف الحقيقي لا يُقاس بما يقوله في البيانات، وإنما بما يفعله عندما تصبح الأمور صعبة.
لقد آن الأوان لأن تكون لدينا قراءة أكثر واقعية للتحالفات، فلا نمنح صفة الحليف لمن لم تثبت مواقفه، ولا نضع ثقتنا الكاملة في قوى أثبت التاريخ أن حساباتها قد تتغير في أي لحظة.
وفي المقابل، هناك قضية أخرى لا تقل خطورة، وهي قضية النزوح.
عدن فتحت أبوابها أمام آلاف الأسر التي هربت من الحرب، وهذا موقف إنساني لا ينبغي إنكاره. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: كم تستطيع عدن أن تتحمل؟
إلى متى ستظل المدينة تستقبل موجات جديدة من النازحين القادمين من مناطق الصراع؟
من يتحمل مسؤولية السكن؟
ومن يوفر الماء والكهرباء والصحة والتعليم؟
ومن يوفر فرص العمل؟
ومن يتحمل الضغط المتزايد على الخدمات والبنية التحتية؟
إذا كانت الحرب مستمرة في مناطق أخرى، وإذا كانت المعارك تُدار بعيدًا عن عدن، فلماذا تتحمل عدن في النهاية الجزء الأكبر من نتائجها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية؟
والأهم من ذلك كله:
ما هي الغاية النهائية؟
هل الغاية أن تستمر الحرب بلا نهاية، وأن يبقى الجنوب جبهة مفتوحة، وعدن مدينة تستقبل نتائج كل موجة جديدة من النزوح؟
أم أن هناك مشروعًا واضحًا لإنهاء الحرب، وإعادة الناس إلى مناطقهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وبناء واقع سياسي جديد يضمن لكل منطقة حقها ومستقبلها؟
لا يمكن أن نبقى أسرى لشعار «تحرير الشمال» بينما أبناء تلك المناطق أنفسهم لم تتبلور لديهم، في كثير من الحالات، إرادة موحدة لمشروع التحرير. الشعوب في نهاية المطاف هي التي تصنع التغيير، ولا يمكن لقوة خارجية أن تحمل مسؤولية تحرير مجتمع بأكمله إلى ما لا نهاية.
وهنا يأتي الدرس الأهم:
لا ينبغي أن نخوض معركة لا نعرف نهايتها، ولا أن نقدم أبناءنا في معركة لا نعرف ثمنها السياسي بعد انتهاء القتال.
لقد علمنا التاريخ أن من لا يتعلم من تجاربه يكررها. والتاريخ اليمني مليء بالدروس حول التحالفات والانقلابات وتبدل المواقف، وقضية أحمد الثلايا وغيرها من الأحداث ليست مجرد وقائع قديمة، بل شواهد على أن قراءة الماضي ضرورية لفهم الحاضر.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى سياسة أكثر وضوحًا:
أن يكون أمن الجنوب وأرضه وشعبه وقواته المسلحة في مقدمة الأولويات.
وأن تكون المشاركة في أي معركة خارج حدود الجنوب مرتبطة بمصلحة واضحة وضمانات واضحة وشراكة حقيقية، لا بمجرد وعود أو شعارات.
فالجنوب ليس عاجزًا عن القتال، لكنه أصبح أكثر حاجة إلى أن يعرف متى يقاتل، ولماذا يقاتل، ولأجل من يقاتل، وماذا سيحصل عليه بعد أن تنتهي المعركة.
أما دماء أبنائنا، فلا ينبغي أن تكون وقودًا لمشاريع الآخرين.
لقد دفع الجنوب ثمنًا باهظًا، وحان الوقت لأن تكون تضحياته محسوبة، وأن يكون مستقبله حاضرًا في كل قرار عسكري وسياسي.
وفي النهاية، تبقى مقولة أحمد الثلايا واحدة من أكثر العبارات التي تختصر قسوة التجربة:
«لعنة الله على شعبٍ أردتُ له الحياة، وأراد لي الموت».
لكن الدرس الحقيقي ليس في ترديد المقولة، بل في أن نمنع التاريخ من أن يعيد نفسه.
فالجنوب يستطيع أن يكون سندًا لمن يريد الخلاص، لكنه ليس ملزمًا بأن يحمل وحده أعباء الآخرين، ولا أن يدفع أبناؤه ثمن معارك لا يعرفون أين ستنتهي.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام الجميع:
بعد كل هذه التضحيات… ماذا بعد؟
بقلم المحامية فاطمة علي إبراهيم علي نور