توقف القلم أمام ضبابية المشهد، وعجزت الكلمات عن تفسير ما يحدث. قيل إن صفارة معركة تحرير صنعاء قد أطلقت، فانتظرنا جيشاُ مستعداً، وقراراً عسكرياُ موحداُ، وغرفة عمليات واحدة، وهدفاً لا لبس فيه: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
لكن المفاجأة كانت أن المعركة كشفت هشاشة ما كنا نظنه جيشاً. تشكيلات متعددة، ولاءات متباينة، عقائد ومناطق، ومراكز قرار متنافسة. وعندما كان المطلوب هو الكر، كان الفرار.
والنتيجة: خسارة مواقع استراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لتتحول القضية من معركة لاستعادة الدولة إلى مشهد مرتبك يقدم اليمن أمام العالم كبلد ممزق بين كانتونات النفوذ.
يا لها من مفارقة مؤلمة! كنا نريد أن نقول للعالم إننا دولة قادرة على حماية أرضها وممراتها ومصالحها، فإذا بنا نثبت العكس.
والأخطر من الهزيمة العسكرية هو استمرار الوهم السياسي. ما زال بعضنا ينتظر أن تحرره السعودية، أو يرى في الإمارات مشروع خلاص، وكأن الدول تتحرك بدافع العاطفة لا المصالح. الدول لا تقاتل من أجل أوطاننا؛ تقاتل حين تتقاطع مصالحها مع مصالحنا.
قد تساعدك اليوم، لكنها لن تصبح بديلاً عن دولتك.
نحن نريد جمهورية يحكمها شعب، تقوم على الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون، لا وطناً يصبح رهينة لحسابات العواصم الإقليمية. ومن لا يفهم الفرق بين التحالف والتبعية، وبين المساندة والوصاية، سيدفع ثمن هذا الخلط من سيادة وطنه.
المشكلة إذن ليست في نقص السلاح وحده، بل في غياب القرار الوطني الواحد.
لا يمكن أن تنتصر دولة بجيش متعدد الولاءات، ولا أن تتحرر عاصمة بقوى لا تتفق على شكل الدولة التي تريد استعادتها.
لقد أصبح السؤال أكثر إلحاحاً من سؤال: من سيحرر اليمن؟
السؤال الحقيقي: من سيعيد لليمن قراره؟
فالوطن الذي لا يملك قراره، قد ينتصر في معركة، لكنه سيظل خاسراُ في الحرب.
احمد ناصر حميدان