هل يحق لاتحاد نقابي وليد السيطرة على المقرات وتعيين القيادات؟

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - 08:48 م


محمد علي محمد أحمد
بقلم: محمد علي محمد أحمد
ارشيف الكاتب

​لطالما كانت الحركة النقابية في بلدنا مساحة حيوية للدفاع عن حقوق العمال، ولكنها أصبحت مؤخراً مسرحاً لنزاعات عميقة تتعلق بالشرعية والسيطرة، خصوصاً في المحافظات الجنوبية.


و يبرز التساؤل القانوني والسياسي حول مدى أحقية ما يُسمى بـ "اتحاد النقابات الجنوبية" وما يسمى بـ اتحاد نقابات عدن في السيطرة على مقرات "الاتحاد العام لنقابات عمال عدن " المعترف به قانوناً، وتعيين قيادات وفرض نقابات موازية في مرافق الدولة، لا سيما الإيرادية منها.


و​إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب العودة إلى المرجعية القانونية النافذة ومقارنتها بالواقع العملي على الأرض.


​إن العمل النقابي المستقل في اليمن يستمد شرعيته بالدرجة الأولى من نصوص القانون رقم (35) لسنة 2002م بشأن تنظيم النقابات العمالية، بالإضافة إلى الاعتراف والالتزام بالمعايير الدولية لحرية التنظيم النقابي، وبموجب هذا الإطار القانوني، يأتي الاعتراف الواسع، ​للشرعية النقابية المستقلة، والتي تكتسب المنظمات النقابية (اللجان، النقابات العامة، والاتحاد العام) شخصيتها الاعتبارية وشرعيتها من خلال الانتخاب الحر والنزيه والاعتراف بها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وفقاً لنظامها الأساسي وقواعدها الداخلية، هذه الشرعية هي التي تعترف بها المنظمات النقابية العربية والدولية، مثل الاتحاد الدولي لنقابات العمال.


​ويتشكل الاتحاد العام لنقابات العمال من النقابات العامة الشرعية المنتخبة، وهذا الكيان هو المرجع القانوني الوحيد لعمال الوطن الذي يمثلهم وطنياً ودولياً، ولهذا​ تقع مقرات وأصول الاتحاد العام والنقابات العامة تحت الحماية القانونية باعتبارها أملاكاً لكيانات ذات شخصية اعتبارية مستقلة، وبالتالي، فإن السيطرة عليها بالقوة أو بأي وسيلة خارج إطار القانون تُعد اعتداءً صارخاً على ملكية نقابية مشروعة.


​وعليه فإن القانون يؤكد على أن القيادات النقابية يجب أن تُشكل عبر عملية انتخاب ديمقراطية داخل الأطر النقابية، وأي محاولة لـ "تعيين" أو "فرض" قيادات من قبل كيان موازٍ أو سلطة إدارية يعتبر إخلالاً بمبدأ الاستقلالية وحرية التنظيم، وهما من أهم أركان العمل النقابي المعتمد دولياً،

وال​خلاصة القانونية الصرفة، تؤكد عدم منح قانون النقابات النافذ أي كيان جديد الحق في إزاحة النقابات الرسمية أو السيطرة على مقرات الاتحاد العام الشرعي أو تعيين قيادات بديلة، وهذه الأفعال تُصنف قانوناً كـ تعدٍ غير شرعي يهدف إلى شق الحركة النقابية وتسييسها.


​وما دوافع التشكيلات الموازية والتي ​غالباً ما تستند تلك الأجسام النقابية الموازية، إلى حجج سياسية وواقعية لتبرير سيطرتها، أبرزها ​الانفصال الإداري والسياسي، استناداً إلى تداعيات الصراع الدائر، حيث يتم تبرير الانفصال النقابي بأنه ضرورة لـ التمثيل المستقل لعمال المناطق المحررة وخدمة مصالحهم بمعزل عن الجهات النقابية التي قد تقع تحت سيطرة الأمر الواقع في مناطق النزاع الأخرى،

​والأمر الآخر الحاجة إلى قيادة نقابية تعمل فعلياً في مناطق سيطرتها لتعويض غياب الإدارة المركزية وتفعيل دور النقابات في المرافق الحيوية والإيرادية.


وأي محاولة لفرض نقابات جديدة أو السيطرة على المقرات، لها تبعات خطيرة على استقلالية العمل النقابي وذلك بتحويل النقابات من أداة مهنية للدفاع عن حقوق العمال إلى أداة سياسية أو إدارية تُستخدم للسيطرة على المرافق الحكومية والإيرادية، وهذا يُخالف مبدأ استقلالية النقابات المنصوص عليه في المواثيق الدولية وقانون العمل، واي ​خروج عنها تؤدي إلى إضعاف قوة العمال التفاوضية من خلال تقسيمهم بين كيانات متناحرة، مما يفقدهم القدرة على إبرام عقود جماعية موحدة والدفاع عنهم بفعالية على المستويين الوطني والدولي.


​في الختام، إن العودة إلى المسار القانوني والشرعي هي الضمانة الوحيدة لحماية العمل النقابي، فـ شرعية النقابات لا تُكتسب بالسيطرة على المقرات، بل من قانونيتها واعتراف القاعدة العمالية والاعتراف العربي والدولي المستند إلى مبدأ الانتخاب والاستقلالية، وأي إجراء خارج هذا الإطار يعد محاولة لتقويض حقوق العمال تحت مظلة الصراع السياسي.