الوساطات تحت الاختبار... بين صناعة السلام وكسب الوقت

قبل 3 ساعات


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب



في السياسة، لا تُقاس قيمة الوساطة بعدد اللقاءات التي تعقدها، ولا بعدد البيانات التي تصدر عنها، وإنما بقدرتها على نقل الأطراف من إدارة الأزمة إلى حلها. فالوساطة الناجحة لا تكتفي بفتح قنوات الاتصال، بل تصنع مساراً يقود إلى تغيير في السلوك والوقائع. أما حين تتحول إلى مجرد آلية لإيقاف الضغط دون معالجة جذور المشكلة، فإنها قد تصبح جزءاً من الأزمة بدلاً من أن تكون طريقاً للخروج منها، لتدخل في سياق ما يمكن تسميته بـ "دبلوماسية التبريد الإقليمي" التي تؤجل الانفجار ولا تنتج حلولاً دائمة.


ومع انتقال مركز الثقل الإقليمي تدريجياً إلى الساحة اليمنية، برز الدور العُماني بصورة أكثر حضوراً في مسار الأزمة. فمنذ سنوات تحولت مسقط إلى محطة رئيسية للمفاوضات والقنوات الخلفية، وإلى مساحة للتواصل غير المباشر بين أطراف الصراع، كما أصبحت مقراً دائماً لوفد الحوثيين المفاوض. ومن خلالها استمرت الاتصالات وتبادلت الرسائل وتحركت الوساطات كلما تصاعدت الضغوط العسكرية أو السياسية، في محاولة لإدارة مساحات التوتر وفتح نوافذ للحوار.


ولا يتعلق النقاش هنا بمبدأ الوساطة أو التقليل من أهمية الدور العُماني في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، فوجود قنوات الحوار في الأزمات المعقدة أمر ضروري، لكن السؤال الذي تفرضه الوقائع هو: إلى أي مدى استطاعت هذه الوساطات دفع جماعة الحوثي نحو تسوية حقيقية؟ وهل نجحت في تحويل التفاوض إلى طريق لإنهاء الصراع، أم أنها تحولت في بعض المراحل إلى مساحة لإعادة ترتيب الأوراق وكسب الوقت؟


فالاختبار الحقيقي لأي مسار تفاوضي لا يكمن في ديمومة اللقاءات أو خفوت نبرة التصريحات، وإنما في الثمار التي يتركها على الأرض. وهنا تبرز الإشكالية المزمنة في الملف اليمني: لماذا تتزامن التحركات الدبلوماسية -غالباً- مع اللحظات التي تطوق فيها الضغوط العسكرية أو السياسية جماعة الحوثي؟ ولماذا تتحول هذه الضغوط، المفترض بها إجبار الجماعة على مراجعة سلوكها، إلى أطواق نجاة ومسارات تفاوضية تمنحها فرصة إضافية لإعادة التموضع؟


لقد شاهدنا ذلك في محطات عديدة؛ من معركة الحديدة، إلى الملفات الاقتصادية، مروراً بترتيبات البحر الأحمر وخارطة الطريق، وصولاً إلى التحركات الدبلوماسية التي أعقبت استهداف المنشآت الحيوية السعودية بعشرات الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، وفق ما أعلنته الجماعة عبر ناطقها العسكري. ففي كثير من هذه المحطات، انتهت مسارات الوساطة إلى تجميد الوقائع الميدانية أكثر من حسمها، فتحولت نتائج الضغط العسكري والسياسي إلى أوراق تفاوض، وانتقلت الجماعة من موقع الطرف الذي يواجه الضغوط إلى طرف يُتعامل معه باعتباره أمراً واقعاً في معادلة التفاوض.


وترافق ذلك مع خطاب إعلامي ودولي ركز، في كثير من الأحيان، على الكلفة الإنسانية لأي مواجهة عسكرية، حتى غدا السؤال المطروح ليس كيف يُنهى الانقلاب، بل كيف يمكن التعايش مع نتائجه بأقل الخسائر. وهكذا انزاح النقاش من استعادة الدولة إلى إدارة الأمر الواقع، ومن إنهاء التهديد إلى احتواء آثاره.


المشكلة لم تكن يوماً في فتح باب الحوار، فالحروب لا تنتهي إلا بالحلول السياسية، وإنما في الفارق بين تفاوض يقود إلى سلام قائم على قواعد الدولة، وتفاوض يمنح جماعة مسلحة فرصة لترسيخ مكاسبها دون تقديم تنازلات جوهرية. فحين يصبح وقف التصعيد هدفاً منفصلاً عن معالجة أسباب الصراع، قد يتحول الهدوء المؤقت إلى فرصة لإعادة بناء القدرات وترتيب الحسابات بدلاً من أن يكون خطوة نحو السلام.


لقد أثبتت التجربة اليمنية أن جماعة الحوثي تجيد التعامل مع المساحات الرمادية؛ فهي تستفيد من لحظات التهدئة لإعادة ترتيب وضعها، ثم تعود إلى خطاب التصعيد عندما ترى أن الظروف تخدم مصالحها. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا ترتبط بضمانات واضحة لتغيير السلوك ستبقى معرضة لأن تتحول إلى دورة جديدة من إدارة الأزمة لا حلها.


إن المحك الفعلي أمام المجتمع الدولي اليوم ليس منع الوساطة، بل إعادة ضبط وظيفتها؛ لتكون أداة ضغط لفرض التسوية لا وسيلة للالتفاف عليها، ومساراً يُدير التفاوض لإنهاء الانقلاب وتثبيت شرعية الدولة، لا لتطبيع واقعٍ مكرسٍ بالقوة.


فاليمن لم يعد بحاجة إلى مجرد هدنة لوقف الحرب، بل إلى سلام مستدام يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، ويقطع الطريق أمام تحويل السلاح إلى وسيلة لابتزاز الشرعية السياسية. والفرق هنا شاسع؛ بين وساطة تضع حداً للأزمة، ووساطة تمنحها عمراً جديداً وتبريداً مؤقتاً.. فذلك مخاض لا تجيب عنه النوايا، وإنما يجيب عنه التاريخ.. وتفرضه النتائج.