عجبٌ عجبٌ قطط.. كلابٌ ولها ثوبٌ!

قبل ساعة


محمد الخزامي
بقلم: محمد الخزامي
ارشيف الكاتب

دُعيتُ لتغطية دورة تأسيسيّةٍ لانتخاب ملكة جمال الكلاب والقطط. هناك، فوجئتُ بالعناية الفائقة التي يهبها مالكو هذه الحيوانات لأصحابها، أعترف أنّها المرة الأولى التي تمنيت فيها أن أكون كلبًا أو جروا من أيّ فصيلةٍ كانت، لأُحْمَل مثلها على هودجٍ من البلاستيك وسط وفدٍ صحفيّ. الكلاب كانت جميلةً حقًّا بفروها النَّاعم وندبتُ حظّ الكلاب التي لا جمال لها، لتخوض مثل هذه المسابقات، أو على الأقل لتحظى بهذه العيشة الأرسقراطيّة، فالبشر عادةً لا يتبنّون الكائنات القبيحة فللجمال معاييرُ انتقائيّة.

وأنا الذي أترك بيني وبين الكلاب مسافة وقائية لأنني لا أحتمل رائحتها، اضطررت يومها إلى تقبيلها والتقاط الصور معها لأنني ذهلتُ بمظهرها على السجاد الأحمر كالنجوم، ويومها عرفتُ لماذا يكون بريق النجومية خاطفًا حتى لو كنتَ كلبًا، وكيف يصنع البعض هالة الضوء من ذلك السجاد الأحمر.

لو كان حاتم الطائي حيًّا، الذي قال: "وإنّ كلابي قد أقرت وعودت --- قليل على من يعتريني هريرها"، لذهل لأنّ الكلاب التي كانت رمزًا لإكرام الضُّيوف، فلا تنبح عليهم، لأنها تعودت عليهم، أصبحت رمزًا للتكريم ولا هرير لها إلاَّ وقت اللعب. ولئن كانت كلابه تشي بالجود لفرط ما اعتادت على الزائرين تحت ضيافة حاتم وتشي بكرمه، فهذه الكلاب تشي بثراء أصحابها والنعيم المدلل الذي تعيش فيه، بحيث أصبح المرء كريما فقط لحيوانه لا للآخرين. وربما غضب لأنها أصبحت دليلا على استعراض بعض ما نملك من خلالها، لا لنغدق بكرمنا على الآخرين! أمّا أثوابها - يا الله- فقد سحرتني وقد سعى لتصميمها خبراء الموضة حسب أحدث نبحة، أقصد صيحة، ولن أخبركم بأسعار الفساتين حفاظًا على كرامة كلاب الشوارع السَّائبة. لا أجد تخلّفًا في الاهتمام بكلب وتدليله لحد معقول، لكن هذه العناية الاستعراضيّة ضربٌ من المبالغة، فالكلاب لها سجيتها الخاصة وفطرتها التي منحها الله لها، فكيف نخرجها بشكل مبالغ فيه كهذا بحد مفرط الاهتمام يتحول فيه المرء خادمًا لكلابه ولا تدلّ إلى على ترفٍ مصطنعٍ في زمنٍ لم نعد نرى فيه إلا بعض البشر لا الكلاب يبحثون عن لقمةٍ من القمامة. وفي بلد كأميركيا، تحول البعض إلى كلاب بشرية حقيقية في الطرقات تحت أيدي الساديين الذين وجدوها فرصةً ليشبعوا أمراضهم النفسيّة في هؤلاء دون أدنى شعور بالضمير.


وحتى لا أبعدكم أكثر أجواء الحفل، فقد تحول إلى فضاء تعارف للكلاب وراح مالكو الكلاب يطالبون بشريك لكلابهم من مالكي الكلبات، وكلٌ يُعلّي سقف مهر كلبته بقدر دلالها. وهنا، لا أنسى إخباركم عن الإكسسوارات الفاخرة التي يضعنها والنظارات الشمسية اللامعة. ضحكت وأنا ألتقط لها بعض الصور وقلت؛ هذه الكلاب المدللة نفسها باتت تحتاج إلى من يحرسها خوفًا من يسرقها أحد، وليعلم لصوص البيوت الفاخرة بعد اليوم أنّ كلاب الأثرياء لا تهاجم أحدًا لأنها تنام في صالونها الخاص، لا أمام الخيام على أيام الطائي ولا في بيتها الخشبي الذي كان يجتهد النجارون في صنعه، بل لديها ألعابها الخاصة أيضا، ولا سارق قد يصدق أنّ كلبا يدعى "ميشو" يمكنُ أن يعضه إن تسلل ليلا لسرقة المنزل.

طوال الحفل انتظرت مشادةً بين كلب وقط وأنا كأنصارٍ للقطط تمنيت أن يفهم بعض الحاضرين أنّ القطط أعلى شأنًا، ولكنني تفاجأت بدلالها الكسول وهي تنام في أيدي أصحابها وكدت أكره هذا الدلال أيضا إلا أنني صدمتُ حين عرفت أنّ بعضها يعاني مرضًا ما، كالتوحّد، وكانت المرة الأولى التي أعرف فيها أنّ القطط يمكن أن تصاب أيضا بالتوحد.

انتهى الحفل بفوز كلب رجل أعمال وسرقة قطة من مالكتها في غفلةٍ من الحضور، أما أنا فقد أقسمت أنْ أتحمم بالكلور حال عودتي سالمًا بعدما، اضطررتُ إلى صعود شاحنة الكلاب لأنّ سائق سيارة الصحفيين ضجر منها وغادر قبل انتهاء الحفل!


محمد الخزامي، صحفي وروائي تونسي