حين ننادي بالتحرير، يجب أن نسأل أنفسنا أولًا: ما معنى التحرير؟ وهل يكفي أن يرحل المحتل إذا حلَّ مكانه مستبد جديد؟
أليست الجيوش التي تقمع الشعوب في كثير من الدول العربية هي جيوش الأنظمة نفسها؟ وأليس الإعلام الموجَّه والمنافقون هم من يبررون تلك الممارسات ويمنحونها غطاءً زائفًا؟ وكيف فقدت شعارات الثورات بريقها عندما تحولت من وعود بالحرية والعدالة إلى وسائل لتبرير الاستبداد؟
إن المشكلة لا تكمن في الثورة ذاتها، بل في بعض من يقودها عندما يعتقد أنه الوطني الوحيد، فيحتكر القرار، ويُقصي الآخرين، ويوزع ثروات الوطن ومناصبه على المقربين والحاشية وأصحاب الولاء، بينما تُفتح السجون للمناضلين والمواطنين الذين كانوا بالأمس شركاء في النضال من أجل الاستقلال والحرية.
لقد مرت شعوب كثيرة بتجارب مريرة، وكان جنوبنا الحبيب جزءًا من تلك المعاناة. والمؤلم أن بعض الممارسات التي ارتُكبت باسم الثورة والوطنية فاقت في قسوتها ما كان الناس ينتظرون الخلاص منه؛ من ظلم، وتجبّر، واعتقالات، وإخفاء قسري، وتراجع في الحقوق والخدمات، واستحواذ على الثروة والوظيفة العامة.
يُرفع شعار الدفاع عن الوطن، ولكن أي وطن هو ذلك الذي يُقهر فيه المواطن، وتُهدر فيه كرامته، ويُحرم من حقوقه الأساسية؟ فالوطن لا يُقاس بالشعارات، بل بما يعيشه المواطن من عدالة وكرامة وسيادة للقانون.
ويبقى السؤال الأهم: هل الوطن ملك لجميع أبنائه، أم أصبح حكرًا على فئة محدودة؟
وإذا كان الحاكم أو قائد الثورة لا يملك قراره، وتتحكم به إرادات خارجية، فما قيمة الشعارات الوطنية التي يرفعها؟ فالوطنية ليست كلمات تُردد، وإنما استقلال في القرار، وعدل في الحكم، وإخلاص للشعب.
إننا اليوم بحاجة إلى بناء فكر وطني حقيقي، وإلى وعي صادق مع أنفسنا ومع شعبنا، يقوم على احترام الإنسان، وسيادة القانون، والمساواة بين المواطنين، بعيدًا عن التقديس للأشخاص أو المتاجرة بالشعارات.
ولن ننجح في بناء وطنٍ حرٍ وعادل إلا إذا امتلكنا فكرًا مستنيرًا، يميز بين التحرير الحقيقي، وبين من يتخذ من الوطنية والثورة وسيلةً للوصول إلى السلطة والبقاء فيها.