بعيداً عن المزايدات والخصومات الشخصية وبعيداً عن محاولة تحميل طرف واحد مسؤولية كل ما جرى فإن ما حدث في السنوات الماضية على مستوى ترتيب القوات والجبهات في ريف تعز يستحق وقفة جادة وشجاعة لأن استمرار تجاهل الأخطاء لن يؤدي إلا إلى تكرارها .
في أعقاب الخلافات التي تم إفتعالها مع الشهيد العميد عدنان الحمادي جرى إنشاء محور طور الباحة واللواء الرابع وتقديم هذه التشكيلات باعتبارها بديلاً عن اللواء 35 مدرع في سياق أدى عمليا إلى تقليص دوره وإفراغ جزء من مسرح عملياته .
المشكلة لم تكن في إنشاء تشكيل عسكري جديد بحد ذاته فالجبهات تحتاج إلى تنظيم وإعادة انتشار وتطوير مستمر وإنما في أن الاعتبارات السياسية والحزبية بدت في مراحل معينة وكأنها تتقدم على الاعتبارات العسكرية والمصلحة العامة حتى أصبح مسرح عمليات اللواء 35 مدرع مساحة مفتوحة أمام تشكيلات أخرى دون أن تكون التجربة القتالية والتراكم العسكري معياراً حاسماً في تقييم الجاهزية .
ومع الوقت نشطت بعض التشكيلات في ملفات جانبية أثارت توترات مع المجتمعات المحلية ومنها قضايا الجبايات والخلافات مع أبناء المقاطرة وهي قضايا كان يفترض التعامل معها بحساسية أكبر لأن الحاضنة الشعبية ليست خصماً عسكرياً وأبناء المناطق التي تدور فيها المعارك هم شركاء في الدفاع عنها وليسوا أعداء ينبغي تخوينهم أو التضييق عليهم .
لقد كان من الخطأ أن يتحول أي اعتراض شعبي أو مجتمعي على أداء عسكري إلى تهمة بالعمالة أو الخيانة كما كان من الخطأ أن ينظر إلى أبناء الأرض باعتبارهم عقبة أمام تشكيل عسكري أو قيادة بعينها احترام المجتمع المحلي وكسب ثقته جزء من القوة العسكرية وليس عبئاً عليها .
واليوم وبعد ما شهدته الجبهات من انهيار وسقوط مواقع ومساحات واسعة في أول اختبار عسكري كبير علينا أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن بعض الخيارات السابقة تحتاج إلى مراجعة حقيقية بعيدا عن المكابرة أو البحث عن شماعة لتعليق الأخطاء عليها .
نحن نتألم لخسارة هذه المساحات ونشعر بحجم التضحيات التي بذلها المقاتلون طوال سنوات لكن الألم لا ينبغي أن يدفعنا إلى اليأس كما أن الإيمان بحقنا في استعادة أرضنا لا يعفينا من مراجعة أسباب ما حدث .
تجربة الجبولي يجب أن تكون درساً لا يتكرر ، والدرس الأهم هو أن نتوقف عن صناعة القيادات وفق الولاءات السياسية وأن يكون معيار الكفاءة والقدرة والخبرة والإنجاز العسكري هو الأساس .
كما يجب ألا نسمح للأجندات الحزبية بأن تتقدم على المصلحة العامة ولا أن تتحول الخلافات السياسية إلى أدوات لإضعاف رفقاء السلاح أو تفكيك التشكيلات التي قاتلت وقدمت الشهداء .
نحن بحاجة إلى عقلية مختلفة عقلية ترى في كل مقاتل يقف في صف الشرعية شريكاً وفي كل تشكيل عسكري يقاتل الحوثيين قوة ينبغي تنظيمها وتوحيدها لا استهدافها وفي كل صاحب رأي أو ملاحظة من أبناء المناطق المحررة مواطناً له حق أن يسمع صوته دون تخوين .
لقد أثبتت التجربة أن إقصاء الآخر لا يصنع قوة وأن التخوين لا يبني جبهة وأن الولاء الحزبي وحده لا يصنع انتصاراً عسكرياً ، المعركة أكبر من الأشخاص والأحزاب والتشكيلات وتعز لا تحتمل أن ندفع ثمن خلافاتنا من دماء أبنائها وأرضها .
نحتاج اليوم إلى توحيد الصفوف وإعادة تقييم ما حدث بموضوعية ومحاسبة الأخطاء بالمسؤولية لا بالانتقام وإعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة العسكرية وبناء شراكة حقيقية بين جميع رفقاء السلاح .
أما الأرض التي خسرت اليوم فستبقى قضيتنا وأملنا بالله كبير في استعادتها نحن أصحاب قضية وحق ، والحـ.وثي مشروع انقلاب وعدوان ، لكن استعادة الأرض لا تكون بالأمنيات وحدها وإنما بتصحيح الأخطاء وتوحيد الصف ووضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار .
ما حدث يجب أن يكون درساً للجميع لا مناسبة لفتح خصومة جديدة فالمعركة القادمة تحتاج إلى أن نتعلم من أخطائنا لا أن نكررها .
محمد الحكيمي