وتنفّسنا الصعداء يا فخامة الرئيس قراءة في خطاب إعلان بدء عمليات استعادة الدولة

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

كادت أنفاسنا تخرج من طول الانتظار، ونحن نرى الحوثي الإرهابي يتمدد، ويضغط على قرانا ومدننا، فيما ينتظر اليمنيون أن تقول دولتهم كلمتها. ثم جاء خطاب فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي القائد الأعلى للقوات المسلحة ليضع حدًا لذلك الانتظار، فأقولها بصراحة: كنتَ عند المستوى، وعند الثقة، وقلتَ الكلمة التي انتظرناها طويلًا.


«أعلن اليوم بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية، وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني».

الله ما اوقعها علي القلب من عبارة... هذه المرة: المبادرة يمنية.


نؤيدك ونؤازر قراراتك ونلتزم بها وندعمها؛ لأن الخطاب، في مضمونه، ليس خطاب جماعة تريد الغلبة، بل خطاب دولة تريد استعادة الدولة. والأهم أنه جاء بعد مسار واضح: تهيئة وتعبئة، ثم استنفاد فرص التهدئة، ثم قرار مؤسسي يستند إلى قرارات مجلس الدفاع الوطني بعد موافقة مجلس النواب واستكمال الإجراءات اللازمة.


وهنا تكمن قوة القرار: لا حرب من أجل الحرب، وإنما حرب بعد أن استُنفد السلام، ولا سلاح خارج الدولة إلى ما لا نهاية.


معركة دولة.. لا معركة مذهب أو منطقة


أذكى ما في الخطاب أنه أسقط عن الحوثي واحدة من أخطر أوراقه: التخويف المناطقي والطائفي. لم تكن صنعاء أو صعدة أو الحديدة أو عمران أو ذمار أو إب أهدافًا لذاتها، بل قال الرئيس بوضوح: «ليست حربًا ضد مذهب أو قبيلة»، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها».


والرسالة لأهلنا في مناطق سيطرة الحوثي كانت أوضح: أنتم لستم هدفًا؛ أمنكم وحقوقكم وكرامتكم هي من أهم أسباب هذه المعركة.


أما الباب المفتوح للعودة الآمنة والعفو عمن يترك السلاح، فهو ليس تفصيلًا جانبيًا؛ بل أداة لتفكيك المليشيا من الداخل وإنقاذ من زُجّ بهم إلى الحرب.


أخلاق المعركة.. حيث يظهر الفرق بين الدولة والمليشيا


«لا ثأر، ولا انتقام، ولا اعتداء على الأبرياء، ولا مساس بممتلكات المواطنين».


هذه ليست عبارات تجميلية، بل عقيدة أخلاقية يجب أن تحكم الميدان. فالدولة التي نستعيدها لا يجوز أن تبدأ عهدها بالثأر. وكل بيت يمني أمانة، وكل مواطن مسؤولية، وكل مدينة تستعاد يجب أن تشعر منذ اللحظة الأولى أنها عادت إلى الدولة.


التحرير لا ينتهي عند رفع العلم


أقوى ما في الخطاب، في تقديري، أن الرئيس لم يقل إن المهمة هي استعادة الأرض فقط، بل قال: «مهمتكم ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها».


وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: رواتب ومستحقات متأخرة بأثر رجعي، وخدمات، وطرق، وكهرباء، ومياه، وإعمار، وعودة النازحين. فالنصر لا يُقاس بعدد المدن التي تدخلها القوات، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والسلاح الذي يعود إلى سلطة القانون. وكل مورد تستعيده الدولة يجب أن يعود إلى وظيفته الطبيعية: رواتب ومدارس وخدمات، لا وقودًا لحرب جديدة.


وكل مورد تستعيده الدولة يجب أن يعود إلى وظيفته الطبيعية: رواتب ومدارس وخدمات، لا وقودًا لحرب جديدة.


تعز.. ومن هنا ينبغي أن يبدأ الامتحان


ومن موقعي ابنًا لتعز، أقول لفخامة الرئيس: لتكن تعز في مقدمة الخطة. هذه المدينة صمدت طويلًا، ودَفعت من دم أبنائها ما لا يحتاج إلى شهادة. فإن كانت البداية منها، فهي المستحقة الأولى؛ وإن كانت الخطة تقوم على تحريك جميع الجبهات بصورة متزامنة ومنظمة، وهو ما طالبنا به مرارًا، فستكون تعز، بإذن الله، في مقدمة المتقدمين.


المهم ألا تبقى الجبهات جزرًا منفصلة؛ ضغط محسوب هنا، وتحرك هناك، وتكامل في القرار والقيادة والإسناد، قرار ليتفذ لا ليتشاور فيه او يتم التنسيق والحوار في حيثياته.


الآن.. يبدأ الامتحان

لقد قيل الكلام الصحيح، وبقي تحويله إلى فعل. المطلوب أن يتحول قرار العمليات إلى خطة، والخطة إلى ميدان، والتحرير إلى دولة، وأن تكون الحكومة حاضرة في كل مدينة تستعيدها القوات، لا بعدها بأشهر.


كما أن الدعم السعودي الذي ثمّنه الخطاب يجب أن يظل رافدًا للقرار اليمني، لا بديلًا عنه؛ فهذه لحظة ينبغي أن تتكامل فيها الإرادة اليمنية والإسناد العربي.


يا فخامة الرئيس، لقد انتظر اليمنيون هذا اليوم طويلًا.

تنفّسنا الصعداء لأننا سمعنا أخيرًا صوت الدولة. والآن نريد أن نرى الدولة تمشي على الأرض.

الرحمة والخلود لشهدائنا الأبرار، والشفاء للجرحى، والحرية للمختطفين والمحتجزين، وعاش اليمن حرًا أبيًا.