بقلم/ الصحفي صالح حقروص
لم يكن بيان اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك بشأن تعليق عضويته في اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى بمحافظة حضرموت مجرد إعلان إداري عابر، بل جاء كرسالة سياسية واضحة تعكس حجم التباينات حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومن يملك حق صياغة ملامحها في محافظة تُعد من أكثر المناطق الجنوبية حساسية وتأثيراً.
البيان وضع عنواناً رئيسياً لخلافه: الدفاع عن التوافق والشراكة ورفض الإقصاء. فصاحب البيان يرى أن اللجنة التحضيرية خرجت عن الهدف الذي أُنشئت من أجله، وأن مسار تشكيل المجلس بات يخضع لتأثيرات حزبية وشخصية على حساب التمثيل المجتمعي الواسع. ومن هذه الزاوية، فإن الاعتراض لا يستهدف فكرة المجلس التنسيقي بحد ذاتها، بل يستهدف الطريقة التي يُراد بها بناؤه وإدارته.
تنبع أهمية هذا الموقف من خصوصية حضرموت نفسها؛ فهي ليست مجرد محافظة ذات مساحة واسعة، بل منطقة ذات ثقل اقتصادي وجغرافي واجتماعي، وتمتلك تركيبة متعددة من القوى القبلية والسياسية والمجتمعية. لذلك فإن أي محاولة لإنشاء إطار جامع فيها تواجه تحدياً أساسياً: كيف يمكن تحقيق تمثيل حقيقي لا تشعر معه أي جهة بأنها مهمشة أو أن القرار يُصنع بعيداً عنها؟
البيان ركز بصورة كبيرة على قضية "القرار الحضرمي"، وهي فكرة أصبحت حاضرة بقوة في الخطاب السياسي خلال السنوات الأخيرة. فهناك تيارات ترى أن حضرموت تحتاج إلى صيغة سياسية تعبر عن خصوصيتها، بينما ترى أطراف أخرى أن المحافظة لا يمكن فصلها عن السياقات الوطنية والجنوبية والإقليمية المحيطة بها. وبين هذين التصورين يدور جزء كبير من الجدل السياسي الحالي.
من النقاط اللافتة في البيان انتقاده لدور السلطة المحلية، واتهامه بوجود محاولة لاحتكار مسار الحوار داخل مؤسسات السلطة التنفيذية. وهذا يعكس خلافاً أعمق من مجرد خلاف على تشكيل لجان، فهو خلاف حول سؤال جوهري: هل تكون السلطة المحلية هي مركز قيادة المرحلة السياسية، أم أن هناك حاجة إلى إطار مستقل يضم مختلف القوى والشرائح؟
كما أن انتقاد حضور الأحزاب داخل اللجنة يفتح نقاشاً مهماً حول طبيعة العمل السياسي في حضرموت. فالأحزاب جزء من المشهد العام، لكن الاعتراض الذي يطرحه البيان يتمحور حول الخشية من أن تتحول المشاركة الحزبية إلى هيمنة على حساب الشخصيات الاجتماعية والقبلية والمكونات المحلية. وفي المقابل، يرى آخرون أن استبعاد القوى السياسية المنظمة قد يؤدي إلى إضعاف أي مشروع سياسي بدلاً من تقويته.
البيان، بما تضمنه من عبارات حادة، يعكس حالة استقطاب واضحة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حاجة حقيقية لمراجعة أسلوب إدارة التوافقات. فنجاح أي مجلس أو إطار جامع في حضرموت لن يعتمد فقط على إعلان تأسيسه، بل على قدرته على بناء الثقة بين مكوناته، ووضع معايير عادلة للتمثيل، وتجنب منطق الغلبة.
في النهاية، فإن تعليق العضوية يحمل رسالة مفادها أن معركة حضرموت السياسية المقبلة لن تكون فقط حول تشكيل المؤسسات، بل حول طبيعة هذه المؤسسات ومن يحدد اتجاهها. فالمعادلة الأصعب ليست إنشاء مجلس جديد، وإنما إقناع أبناء حضرموت بأن هذا المجلس يمثلهم فعلاً، وأنه ليس أداة لإعادة إنتاج نفوذ طرف على حساب طرف آخر.
حضرموت اليوم أمام اختبار سياسي مهم: إما أن تتحول التعددية فيها إلى مصدر قوة عبر شراكة حقيقية، أو تتحول الخلافات حول التمثيل والقيادة إلى عامل جديد من عوامل الانقسام.
الصحفي صالح حقروص
2026/7/26م