قرية الموجع... المشنوقة بالماء الملوث

قبل ساعة


علوي الوازعي
بقلم: علوي الوازعي
ارشيف الكاتب

أستطيع الآن أن أغمض عيني، وأعدَّ من رحلوا بسبب السرطانات التي نتجت عن مضاعفات الماء الملوث، الذي هو مصدر شربنا الوحيد، إلى جانب ماء الوايتات.


أستطيع أن أذكر، بالتفصيل الموجع، قصة ومعاناة كل واحد منهم. فهذا السرطان استوطن كبد أحدهم، ومثانة آخر، ومسالك ثالث، وكلية رابع، ثم انتشر في جسد خامس، حتى غدا هذا الوحش يحصد أبناء قريتي واحدًا تلو الآخر. وإلى جانب ذلك، هناك مأساة الفشل الكلوي التي أسقطت كثيرًا من أبناء قريتي، أولئك المدقعين فقرًا.


لن أنسى رؤوسهم الخالية من الشعر نتيجة العلاج الكيماوي، ولن أنسى وجوههم الشاحبة، ولن أنسى نظراتهم التي كان يتكاثف في أعماقها الخوف والهلع، باحثةً عن بصيص نجاة، ولا نجاة. كانوا يواجهون وحشًا لا يعرف الرحمة، بينما كانت عيونهم تتعلق بأي أمل يؤجل النهاية.


لن أنسى خالي، وزوجة خالي، وجارنا، وجارتنا والكثير الكثير. ماتوا، لكنهم تركوا خلفهم رعبًا لم يغادر القرية. صار كل واحد منا يلتفت حوله، ولا يدري متى يستيقظ على ذلك الوحش وقد استوطن أحد أعضائه الحيوية.

أكثر من ١٥ حالة وفاة بالسرطان وبعد كل وفاة بسبب السرطان، كان يجثم على قريتنا رعب يفوق الوصف، ونعيش خيالاتٍ وتوجساتٍ تشبه رعب من ينام في فم وحش، أو في جوف أفعى، وهو لا يدري متى تنقض عليه.


ولا استطيع أن أحكي، أو تعجز الكلمات وهي تتنهد، عن معاناة أهالي المرضى الذين لم يكونوا أقل ألمًا من مرضاهم.

وكيف أنسى صورة ربِّ أسرةٍ يعالج مريضًا بالسرطان، يعيش صراعًا قاسيًا بين اضطراره إلى طلب المساعدة لعلاج مريضه، وبين عزة نفسه وعفته وخجله من سؤال الناس؟


وكيف أنسى معاناة قريبي وصديقي الذي ما إن توفيت شقيقته بالسرطان، حتى داهم المرض والده أيضًا، فأصيب بسرطان المثانة ليتفاقم المرض إلى فشل الكلوي. وجد نفسه ممزقًا بين توفير لقمة العيش لأسرته، وتأمين تكاليف العلاج، ومرافقة والده، حتى عجز أحيانًا عن توفير قنينة ماء له. وفي لحظة قهر وانهيار، قال لي أنه مزق أشجار المستشفى من شدة العجز. ثم رحل والده، لكن القهر لم يرحل معه، فقد ترك في نفسه جرحًا عميقًا انتهى به إلى اكتئاب شديد، ثم فقدان عقله إلى الأبد صار مجنونا .


ماذا أقول عن قريةٍ تذهب إلى حتفها كل يوم؟ بل أكثر من ذلك، قُدِّر عليها أن تتزاحم على ذلك الحتف.

قرية تجلب إلى أجسادها الماء لتحيا، لكن الواقع يقول إنها تجلب إليها المرض، وربما الموت المحقق. وصار مصدر الماء الوحيد بالنسبة لها هو مصدر الحياة ومصدر الموت في آنٍ واحد.

أيُّ مفارقةٍ أقسى من أن يكون مصدر عافيتك هو نفسه مصدر هلاكك، وأن تكون جرعة الحياة هي ذاتها جرعة الألم والموت البطيء؟

لكن كيف ذلك، وقد انتهت كل هذه المعاناة عند حدود تسليط الضوء عليها، دون أن تتحول إلى حلول تنقذ الناس؟ كان الجميع يتعاطف، لكن التعاطف لم يتحول إلى فعل، وبعد أيام طواها النسيان، وبقي الوجع وحده حاضرًا.

ماذا أقول لربي عن طفلةٍ صرخت، وكل غايتها جرعة ماءٍ نظيفة، فلم تجد غير جرعة ماءٍ ملوثة؟

ماذا أقول عن بشرٍ كل طموحاتهم الحصول على جرعة ماءٍ سهلة ويسيرة، لا جرعة ماءٍ تُتعبهم في الوصول إليها، ثم يكون في منتهاها مرضٌ عضال أو موتٌ بطيء؟

أنا صوتكم الذي سأبحُّ حنجرتي في وجه كل ضمير حي.

أنا صوتكم الذي سيصنع من معاناتكم عاصفةً تدك جدران الغفلة.

أنا صوتكم الذي سيخوض معركة الوجع، ولن يصمت حتى يصبح الماء النظيف حقًا لكل إنسان، لا حلمًا مؤجلًا.


نريد ماء فلم يعد لدينا متسع للانتظار ...!


علوي