جمهورية الأصهار ونهب المساعدات: كيف تحول الابتعاث الخارجي إلى إقطاعية للمسؤولين؟!

قبل ساعة


إبتسام أبو دنيا
بقلم: إبتسام أبو دنيا
ارشيف الكاتب

أتذكر عندما تولى طيب الذكر الدكتور أحمد عبيد بن دغر رئاسة الوزراء؛ تفهمت حكومته مبكراً خطورة استنزاف موارد الدولة الشحيحة في عبث لا طائل منه.

وعقب تنصيبه، شكل لجنة رفيعة المستوى ضمت نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور عبدالملك المخلافي، وعضوية وزير التعليم العالي آنذاك الدكتور حسين باسلامة، ووزيرة الشؤون القانونية الدكتورة نهال العولقي.

وأثمرت تلك اللجنة عن قرار شجاع يقضي بوقف الابتعاث الخارجي لمدة ثلاث سنوات نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وتوجيه تلك المبالغ الضخمة لتطوير الجامعات الحكومية في الداخل لاستيعاب الطلاب وتوفير النفقات، مع الاكتفاء فقط بالمنح المجانية المقدمة عبر التبادل الثقافي للمتفوقين والمستحقين، وحصر الدعم في مساعدات مالية يسيرة لعدد قليل من الطلاب يسهل على الحكومة تغطيتها.


لكن بمجرد مغادرة بن دغر وتولي معين عبدالملك رئاسة الوزراء، ويليه أحمد عوض بن مبارك، انفتحت أبواب الفساد على مصراعيها، وعاثت الحكومات المتعاقبة إفساداً وتخريباً في جسد الوظيفة العامة والتعليم العالي.

ولم تعد المنح والوظائف حكراً على الكفاءات، بل تحولت مؤسسات الدولة بالكامل إلى ما يشبه جمهورية الأصهار والأقارب، ووصل العبث إلى مجلس القيادة الرئاسي نفسه، الذي بات يعين الأبناء والإخوان والأقارب والحلاوزة وحملة المباخر في المناصب العليا والدنيا، متجاوزين الدستور وناسفين القوانين بقرارات رئاسية وجمهورية تصدر بفجوات رقمية هائلة، مما يؤكد أن هناك المئات من القرارات السرية وغير المعلنة التي تمرر تحت الطاولة لخدمة شبكات المصالح الضيقة.


وجاء التقرير النهائي للجنة مراجعة قوائم المبتعثين في الخارج ليضع النقاط على الحروف، ويكشف بالوثائق والأرقام حجم الجريمة التي قادها وزير التعليم العالي خالد الوصابي برعاية وتواطؤ من معين عبدالملك.

لقد تحول الابتعاث الخارجي في عهدهم من مشروع لبناء جيل علمي إلى بؤرة فساد كبرى لهدر أموال الدولة والمتاجرة بمستقبل المتفوقين.

وأثبت التقرير أن عملية الابتعاث تمت بالمخالفة الصريحة لقانون البعثات رقم (١٩) لسنة ٢٠٠٣م، بعد أن غُيبت اللجان القانونية والتنفيذية عمداً ليصبح قرار منح الأموال والرسوم حكراً على التوجيهات الشخصية والوساطات والمحسوبية، بل وباعتماد أسلوب البيع والشراء عبر سماسرة داخل قطاع البعثات.


إن الأرقام والوقائع الصادمة التي تضمنها التقرير تكشف تفاصيل هذا السقوط الأخلاقي؛ إذ سيطرت العائلات والإخوة من أبناء المسؤولين والسفراء والتجار على حوالي ٣٣٪؜ من إجمالي عدد المبتعثين للخارج، في نهب علني لمبدأ تكافؤ الفرص.

وظهرت عائلات بعينها تستحوذ على أكثر من ١٥ منحة لكل منها كإقطاعيات خاصة (مثل عائلات أبو حاتم، الفقيه، القاضي، والطاهري)، في حين حُرمت جامعات كاملة كجامعة إقليم سبأ من الحصول على أكثر من مبتعث واحد.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى رصد تلاعب وتحايل متعمد عبر تعديل الأسماء الرباعية أو حذف الألقاب لإخفاء صلات القرابة الفاضحة.


وفي الوقت الذي يذهب فيه أبناء المواطنين الفقراء إلى جبهات القتال للدفاع عن الشرعية، يستأثر أبناء المسؤولين المقيمين في الخارج بمنح المساعدات المالية والرسوم الدراسية الباهظة، بل إن التقرير كشف بإدانة واضحة أن من بين المبتعثين على نفقة الدولة أبناء لمشرفين ومناصرين لجماعة الحوثي.


وامتد الفساد ليشمل تمرير قرارات إيفاد لطلاب بمعدلات ضعيفة جداً في السبعينيات والستينيات والخمسينيات لدراسة تخصصات طبية وهندسية، وآخرين رسبوا في امتحانات المفاضلة ومع ذلك تم ابتعاثهم، فضلاً عن إصدار قرارات لـ ٤٤ طالباً بوثائق ناقصة أو مزورة دون وجود شهادات ثانوية عامة أصلاً.


وعلى صعيد الهدر المالي، تسبب الوصابي ومعين عبدالملك في استنزاف الموازنة العامة عبر ابتعاث مئات الطلاب في تخصصات أدبية وإنسانية (كعلوم القرآن والتاريخ والتربية وعلم الاجتماع) متوفرة بنسبة ٩٠٪؜ في الجامعات المحلية.

وبلغت كلفة المبتعثين في التخصصات الأدبية وحدها أكثر من ١,٧ مليون دولار سنوياً.


وصار العبث مضحكاً ووقحاً بابتعاث طلاب لدراسة اللغة العربية في الهند وماليزيا وباكستان، أو تخصص إنتاج أسماك في مصر. كما ركز التقرير على كارثة التمديد الاستثنائي لطلاب متعثرين منذ عام ٢٠١٠ - ٢٠١١ لا زالوا يستنزفون خزينة الدولة دون تقدم دراسي يُذكر، واعتماد رسوم دراسية مبالغ فيها وباهظة جداً في جامعات مصر والسودان تجاوزت نصف ميزانية الرسوم الكلية، والقبول بورقة عادية مخطة بخط اليد من مسؤول في مجلس الوزراء لإضافة ٢٩ طالباً دون اسم أو صفة أو ختم قانوني.


ولم تسلم حتى وزارة الدفاع من هذا الاختراق والتمييع؛ حيث كشف التقرير أن مبتعثي وزارة الدفاع أُرسلوا في تخصصات مدنية بحتة لا علاقة لها بالعلوم العسكرية (مثل العلوم الزراعية والتجارة)، وبعضهم لا ينتمي للمؤسسة العسكرية أصلاً وليس لديهم قرارات إيفاد رسمية، مما يعكس استهتاراً تاماً بأمن البلاد في ظل حرب طويلة.


أمام هذا المشهد القاتم، يتأكد للشعب اليمني أن هذه المنظومة الفاسدة لا تريد للحرب أن تنتهي ولا تسعى لحسم عسكري أو استعادة حقيقية لمؤسسات الدولة؛ لأن عودة النظام والقانون تعني تلقائياً تجريدهم من هذه الامتيازات غير المشروعة.


إنهم لا يختلفون عن الحوثي في شيء، فكلاهما يقتات على غياب الدولة ويهدم النسيج الاجتماعي بالظلم والإقصاء والمحسوبية.


ويبقى التساؤل عالقاً في أذهان اليمنيين: هل سيقدم خالد الوصابي ومعين عبدالملك وبقية المتورطين إلى محكمة الأموال العامة لينالوا جزاءهم العادل؟! أم أن القضية ستموت كالعادة وستُطوى ملفاتها تحت شعار تحالف الفساد المشؤوم: شيلني وأشيلك، وتستر على صاحبي وأتستر على صاحبك لتذهب أموال الشعب أدراج الرياح ويبقى لليمن واليمنيين الله وحده.